الجاحظ
8
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
أقطارها ، وسيقت إليه القلوب بأزمتها ، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته ، وجبلت على تصويب إرادته . ومن أعاره اللّه من معونته نصيبا ، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا ، جلبت إليه المعاني ، وسلس له النظام ، وكان قد أعفى المستمع من كد التكلف ، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم . ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاح ، ألفاظا مسخوطة ، ولا معاني مدخولة ، ولا طبعا رديئا ، ولا قولا مستكرها . وأكثر ما تجد ذلك في خطب المولدين ، وفي خطب البلديين المتكلفين ، ومن أهل الصنعة المتأدبين ، وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب ، أم كان من نتاج التحبير والتفكير . [ طبقات الشعراء ] ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا « 1 » ، وزمنا طويلا ، يردد فيها نظره ، ويجيل فيها عقله ، ويقلب فيها رأيه ، اتهاما لعقله ، وتتبعا على نفسه ، فيجعل عقله ، زماما على رأيه ، ورأيه عيارا على شعره ، إشفاقا على أدبه ، وإحرازا لما خوله اللّه تعالى من نعمته . وكانوا يسمون تلك القصائد : الحوليات ، والمقلّدات ، والمنقّحات ، والمحكّمات ، ليصير قائلها فحلا خنذيذا ، وشاعرا مفلقا . وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد ، ومنها الشواهد ، ومنها الشوارد . والشعراء عندهم أربع طبقات . فأولهم : الفحل الخنذيذ . والخنذيذ هو التام . قال الأصمعي : قال رؤبة : « الفحولة هم الرواة » . ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق ، ودون ذلك الشاعر فقط ، والرابع الشعرور . ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء : يا رابع الشعراء كيف هجوتني * وزعمت أني مفحم لا أنطق
--> ( 1 ) كريت : كامل .