الجاحظ

77

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

الرأي ليس بنهبى ، وخمير الرأي خير من فطيره . ورب شيء غابّه خير من طريه ، وتأخيره خير من تقديمه . ولما قدم بعبد الجبار بن عبد الرحمن ، إلى المنصور ، قال : يا أمير المؤمنين ، قتلة كريمة . قال : وراءك تركتها ، يا ابن اللخناء . ولما احتال أبو الأزهر المهلب بن عبيثر المهري ، لعبد الحميد بن ربعي ابن معدان ، وأسلمه إلى حميد بن قحطبة ، وأسلمه حميد إلى المنصور ، فلما صار إلى المنصور قال : لا عذر فأعتذر وقد أحاط بي الذنب ، وأنت أولى بما ترى . قال : لست أقتل أحدا من آل قحطبة ، بل أهب مسيئهم لمحسنهم ، وغادرهم لوفيّهم . قال : إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الجاه . ولست أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عم . قال : أخرج ، فإنك جاهل ، أنت عتيقهم ما حييت . قال زياد بن ظبيان التيمي ، لابنه عبيد اللّه بن زياد ، وزياد يومئذ يكيد بنفسه وعبيد اللّه غلام : ألا أوصى بك الأمير زيادا ؟ قال : لا . قال : ولم ؟ قال : إذا لم تكن للحي إلا وصية الميّت فالحي هو الميت . ودخل عمرو بن سعيد الأشدق بعد موت أبيه على معاوية ، وعمرو يومئذ غلام ، فقال له معاوية : إلى من أوصى بك أبوك يا غلام ؟ قال : إن أبي أوصى إليّ ولم يوصى بي . قال : وبأي شيء أوصاك ؟ قال : أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه . قال معاوية لأصحابه : إن ابن سعيد هذا لأشدق . ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب ، في شأن إبراهيم بن عبد اللّه وصار سفيان إلى المنصور ، أمر الربيع فخلع سواده . ووقف به على رؤوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ، ثم قال : يقول لكم أمير المؤمنين : قد عرفتم ما كان من إحساني إليه ، وحسن بلائي عنده ، والذي حاول من الفتنة والغدر ، والبغي وشقّ العصا ، ومعاونة الأعداء ، وقد رأى أمير المؤمنين أن يهب مسيئكم لمحسنكم ، وغادركم لوفيكم . وقال يونس بن حبيب : المفحم يأتيه دون ما يرضى ، ويطلب فوق ما يقوى .