الجاحظ
73
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
ومعنى المعاذير هنا على غير معنى قول اللّه تبارك وتعالى في القرآن : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ . والمعاذير هاهنا : الستور . وقال : أراد رجل الحج فسلم شعبة بن الحجاج فقال له : أما إنك إن لم تعدّ الحلم ذلا ، ولا السفه أنفا ، سلم لك حجك . وقالوا : وكان علي رضي اللّه عنه بالكوفة قد منع الناس من القعود على ظهر الطريق ، فكلموه في ذلك فقال : أدعكم على شريطة . قالوا : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال غضّ الأبصار ، وردّ السلام ، وإرشاد الضال . قالوا : قد قبلنا . فتركهم . وكان نوفل بن أبي عقرب ، لا يقعد على باب داره ، وكان عامرا بالمارة فقيل له : إن في ذلك نشرة « 1 » ، وصرف النفوس عن الأماني ، واعتبارا لمن اعتبر ، وعظة لمن فكر . فقال : إن لذلك حقوقا يعجز عنها ابن خيثمة . قالوا : وما هي ؟ قالوا : غض البصر ، ورد التحية ، وإرشاد الضال ، وضم اللقطة ، والتعرض لطلاب الحوائج ، والنهي عن المنكر . والشغل بفضول النظر ، الداعية إلى فضول القول والعمل ، عادة إن قطعتها اشتدت وحشتك لها ، وإن وصلتها قطعتك عن أمور هي أولى بك منها . وقال الفضيل بن عياض ، لسفيان الثوري دلّني على جليس أجلس إليه . فقال هيهات ، تلك ضالة لا توجد . وقيل لبعض العلماء : أيّ الأمور أمتع : فقال : مجالسة الحكماء ومذاكرة العلماء . وقيل لعبد الرحمن بن أبي بكرة : أي الأمور أمتع ؟ فقال : الأماني .
--> ( 1 ) نشرة نسيم .