الجاحظ

233

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت . قال : فقلت : أكون متواريا أو ظاهرا ؟ قال : كن متواريا كظاهر . فكنت واللّه أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمه . قال : فلما فرغ من الحديث رددت إليه طيلسانه ، فقال : مهلا ، إن ثيابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلينا . ومن أحاديث النوكى . حديث أبي سعيد الرفاعي : سئل عن الدنيا والدائسة ، فقال : أما الدنيا فهذه الذي أنتم فيها ، وأما الدائسة فهي دار أخرى بائنة من هذه الدار ، لم يسمع أهلها بهذه الدار ولا بشيء من أمرها ، وكذلك نحن لم نسمع بشيء من أمرها ، إلا أنه قد صحّ عندنا إن بيوتهم من قثاء ، وسقوفهم من قثاء وأنعامهم من قثاء ، وخيلهم من قثاء ، وهم أنفسهم من قثاء ، وقثاءهم أيضا من قثاء . قالوا له : يا أبا سعيد ، زعمت أن أهل تلك الدار لم يسمعوا بهذه الدار ولا بشيء من أمرها ، وكذلك نحن لهم ، وأراك تخبرنا عنهم بأخبار كثيرة . قال : فمن ثمّ أعجب زيادة . قالوا : ذمّ رجل عند الأحنف الكمأة بالسمن ، فقال الأحنف : « ربّ ملوم لا ذنب له » . عبد اللّه بن مسلم ، عن شبّة بن عقال ، إن رجلا قال في مجلس عبيد اللّه بن زياد : ما أطيب الأشياء ؟ فقال رجل : ما شيء أطيب من تمرة نرسيان كأنها من آذان النوكى عليتها بزبدة « 1 » . وقال أوس بن جابر لابن عامر : ظلت عتاب النوك تخفق فوقه * رخو طفاطفه قديم الملعب « 2 » قد ظلّ يوعدني وعين وزيره * خضراء خاسفة كعين العقرب

--> ( 1 ) النرسيان : نوع من التمر . ( 2 ) النوك : الحمق ، طفاطف : لحم مضطرب .