الجاحظ
224
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يديه حجة ، فإن شئتم أغضيتم على ما فيها ، وإن شئتم سألته وأنتم تسمعون . قالوا : فسله . فدعا الربيع وقصوا قصته ، فقال الربيع : هذا الفتى كان يسلم من بعيد وينصرف ، فاستدناه أمير المؤمنين حتى سلم عليه من قريب ثم أمره بالجلوس ، ثم تبذل بين يديه وأكل ، ثم دعاه إلى طعامه ليأكل معه من مائدته ، فبلغ من جهله بفضيلة المرتبة التي صيره فيها أن قال حين دعاه إلى غدائه : قد تغديت ! فإذا ليس عنده لمن تغدى مع أمير المؤمنين إلا سد خلّة الجوع ، ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل . وحدثنا إبراهيم بن السندي عن أبيه قال : واللّه إني لواقف على رأس الرشيد ، والفضل بن الربيع واقف في الجانب الآخر والحسن اللؤلؤي « 1 » يحدثه ويسائله عن أمور ، وكان آخر ما سأله عن بيع أمهات الأولاد ، فلو لا إني ذكرت أن سلطان ما وراء الستر للحاجب ، وسلطان الدار لصاحب الحرس ، وأن سلطاني إنما هو على من خرج من حدود الدار ، لقد كنت أخذت بضبعه « 2 » وأقمته ، فلما صرنا وراء الستر قلت له والفضل يسمع : أما واللّه لو كان هذا منك في مسايرة أو موقف لعلمت أن للخلافة رجالا يصونونها عن مجلسك . وحدثني إبراهيم بن السندي قال : بينا الحسن اللؤلؤي في بعض الليالي بالرقة يحدث المأمون والمأمون يومئذ أمير ، إذا نعس المأمون ، فقال له اللؤلؤي : نمت أيها الأمير ؟ ففتح المأمون عينيه وقال : سوقي واللّه خذ يا غلام بيده . قال : وكنا يوما عند زياد بن محمد منصور بن زياد ، وقد هيأ لنا الفضل ابن محمد طعاما ، ومعنا في المجلس خادم كان لأبيهم ، فجاء رسول الفضل إلى زياد فقال : يقول لك أخوك : قد أدرك طعامنا فتحولوا . ومعنا في المجلس إبراهيم النظام ، وأحمد بن يوسف ، وقطرب النحوي ، في رجال من
--> ( 1 ) الحسن اللؤلؤي هو الحسن بن زياد واللؤلؤي مولى الأنصار وصاحب أبي حنيفة ، كوفي نزل الكوفة وولي القضاء . ( 2 ) الضبع : العضد .