الجاحظ
13
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
ألا ترى أن الحارث بن حدّان ، حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب ، قال : « أيها الناس ، اتقوا الفتنة ، فإنها تقبل بشبهة ، وتدبر ببيان ، وإن المؤمن لا يلسع من جحر تين » ، فضرب بكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المثل ، ثم قال : « اتقوا عصبا تأتيكم من الشام ، كأنها دلاء قد انقطع وذمها » . وقال ابن الأشعث لأصحابه ، وهو على المنبر : « قد علمنا إن كنا نعلم ، وفهمنا إن كنا نفهم ، أن المؤمن لا يلسع من جحر مرتين ، وقد واللّه لسعت بكم من جحر ثلاث مرات ، وأنا أستغفر اللّه من كل ما خالف الإيمان ، واعتصم به من كل ما قارب الكفر » . وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه ، وجلّ عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف ، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى : قل يا محمد : وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . فكيف وقد عاب التشديق ، وجانب أصحاب التقعيب ، واستعمل المبسوط في موضع البسط ، والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشي ، ورغب عن الهجين السوقي ، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة ، وشيد بالتأييد ، ويسر بالتوفيق . وهو الكلام الذي ألقى اللّه عليه المحبة ، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الأفهام ، وقلة عدد الكلام ، مع استغنائه عن إعادته ، وقلة حاجة السامع إلى معاودته . لم تسقط له كلمة ، ولا زلت به قدم ، ولا بارت له حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصار ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج « 1 » إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المواربة ، ولا يهمز ولا يلمز « 2 » ، ولا يبطئ ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر . ثم لم يسمع الناس
--> ( 1 ) الفلج : الفوز . ( 2 ) الهمز : العيب في الغيبة . اللمز : العيب في الحضور .