الجاحظ

109

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وقيل لأعرابي : ما وراءك ؟ قال : « خلفت أرضا تظالم معزاها » . يقول : سمنت وأشرت فتظالمت . وتقول العرب : « ليس أظلم من حية » وتقول : « هو أظلم من ورل » و « أظلم من ذئب » ، كما تقول : « اغدر من ذئب » ، وكما يقولون : « أكسب من ذئب » . قال الأسدي : لعمرك لو أني أخاصم حية * إلى فقعس ما أنصفتني فقعس إذا قلت مات الداء بيني وبينهم * أتى حاطب منهم لآخر يقبس فما لكم طلسا إلي كأنكم * ذئاب الغضى والذئب بالليل أطلس وقال الفزاري : ولو أخاصم أفعى نابها لثق * أو الأساود من صمّ الأهاضيب أو لو أخاصم ذئبا في أكيلته « 1 » لجاءني جمعهم يسعى مع الديب يقول : بلغ من ظلم قومنا لنا ، أنّا لو خاصمنا الذئاب والحيات ، وبهما يضربون المثل في الظلم ، لقضوا لهما علينا . وقالت العرب : « إذا شبعت الدقيقة لحست الجليلة » هذا في قلة العشب ، إنما تلحسه الناقة لقلته وقصره . وحدثنا أبو زياد الكلابي قال : بعث قوم رائدا لهم بعد سنين تتابعت عليهم ، فلما رجع إليهم قالوا له : ما وراءك ؟ قال : « رأيت بقلا يشبع منه الجمل البروك ، وتشكت منه النساء ، وهمّ الرجل بأخيه » . أما قوله : « الجمل البروك » فيقول : لو قام قائما لم يتمكن منه لقصره . وأما قوله « وتشكت منه النساء » فإنه مأخوذ من الشكوة ، وجمع الشكوة شكاء . والشكوة : مسك السخلة ما دامت ترضع . والشكاء أصغر من الوطاب . يقول : لم يكثر اللبن بعد فيمخض في الوطاب . وقوله : « وهمّ الرجل بأخيه » أي همّ

--> ( 1 ) اكيلة : شاة تنصب فخا فيعاد بها .