الجاحظ
77
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
فهذا في اقتران الألفاظ . فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين ، بتقديم ولا بتأخير . والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال ، بتقديم ولا بتأخير . وهذا باب كبير . وقد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري . [ اللكنة ] وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة ، ويكون لفظه متخيرا فاخرا ، ومعناه شريفا كريما ، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي . وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة ، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه ، إنه خراساني . وكذلك إن كان من كتاب الأهواز . ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم ، لا يغادر من ذلك شيئا . وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك . نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم ، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد . وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه ، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله ، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد . ولقد كان أبو دبوبة الزنجي ، مولى آل زياد ، يقف بباب الكرخ ، بحضرة المكارين « 1 » ، فينهق ، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ، ولا متعب بهير إلا نهق . وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة ، فلا تنبعث لذلك ، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه . وقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد . وكذلك كان في نباح الكلاب . ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل
--> ( 1 ) المكارين : جمع مكار ، وهو من يكريك دابته تنتفع بها بالكراء .