الجاحظ

37

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

المتمكن والقوة المتصرفة ، كنحو ما أعطى اللّه تبارك وتعالى نبيه موسى عليه السلام من التوفيق والتسديد ، مع لباس التقوى وطابع النبوة ، ومع المحنة والاتساع في المعرفة ، ومع هدي النبيين وسمت المرسلين ، وما يغشيهم اللّه به من القبول والمهابة . ولذلك قال بعض شعراء النبي صلّى اللّه عليه وآله : لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بداهته تنبيك بالخبر ومع ما أعطى اللّه تبارك وتعالى موسى ، عليه السلام ، من الحجة البالغة ، ومن العلامات الظاهرة ، والبرهانات الواضحة ، إلى أن حل اللّه تلك العقدة وأطلق تلك الحبسة ، وأسقط تلك المحنة . ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان ، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة - رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه ، وإخراجها من حروف منطقه ، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ، ويناضله ويساجله ، ويتأتى لستره والراحة من هجنته ، حتى انتظم له ما حاول ، واتسق له ما أمل . ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ، ولطرافته معلما ، لما استجزنا الإقرار به ، والتأكيد له . ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة ، لأن ذلك يحتمل الصنعة ، وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء ، ومفاوضة الإخوان . واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء ، والغين أقلها قبحا ، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم . وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم ، بالغين ، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء . وقد ذكره في ذلك أبو الطروق الضبي فقال : عليم بإبدال الحروف وقامع * لكل خطيب يغلب الحق باطله وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها ، وكان طويل العنق جدا ، ولذلك قال بشار الأعمى :