الجاحظ

31

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

التي كانت في لسانه ، والحبسة التي كانت في بيانه : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي . وأنبأنا اللّه تبارك وتعالى عن تعلق فرعون بكل سبب ، واستراحته إلى كل شغب ، ونبهنا بذلك على مذهب كل جاحد معاند ، وكل محتال مكايد ، حين خبرنا بقوله : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ . وَلا يَكادُ يُبِينُ . وقال موسى عليه السلام : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي وقال : وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة ، والمبالغة في وضوح الدلالة ، لتكون الأعناق إليه أميل ، والعقول عنه أفهم ، والنفوس إليه أسرع ، وإن كان قد يأتي من وراء الحاجة ، ويبلغ أفهامهم على بعض المشقة . وللّه عز وجل أن يمتحن عباده بما شاء من التخفيف والتثقيل ، ويبلو أخبارهم كيف أحب من المحبوب والمكروه . ولكل زمان ضرب من المصلحة ونوع من المحنة ، وشكل من العبادة . ومن الدليل على أن اللّه تعالى حل تلك العقدة ، وأطلق ذلك التعقيد ، والحبسة ، قوله : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي . وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي إلى قوله : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى . فلم تقع الاستجابة على شيء من دعائه دون شيء ، لعموم الخبر . وسنقول في شأن موسى عليه السلام ومسألته ، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه . وذكر اللّه تبارك وتعالى جميل بلائه في تعليم البيان ، وعظيم نعمته في تقويم اللسان ، فقال : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ، وقال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ ، ومدح القرآن بالبيان والإفصاح ، وبحسن التفصيل والإيضاح ، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ ، وسماه فرقانا كما سماه