الجاحظ

247

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وسئل أعرابي فقيل له : ما أشدّ البرد ؟ فقال : « ريح جربياء « 1 » ، في ظلّ عماء « 2 » ، في غبّ سماء « 3 » » . ودعا أعرابي فقال : « اللهم إني أسألك البقاء والنماء ، وطيب الأتاء ، وحط الأعداء ، ورفع الأولياء » . الأتاء : الرزق . قال : وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر : « سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ الكيسى « 4 » » . ووصفت عمّة حاجز اللصّ حاجزا « 5 » ، ففضلته وقالت : « كان حاجز لا يشبع ليلة يضاف ، ولا ينام ليلة يخاف » . ووصف بعضهم فرسا فقال : « أقبل بزبرة الأسد ، وأدبر بعجز الذئب » . الزبرة : مغرز العنق ، ويقال للشعر الذي بين كتفيه . وصفه بأنه محطوط الكفل . قال : ولما اجتمع الناس ، وقامت الخطباء لبيعة يزيد ، وأظهر قوم الكراهة قام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع ، فاخترط من سيفه شبرا ثم قال : أمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى معاوية - فإن مات فهذا - وأشار بيده إلى يزيد - فمن أبى فهذا - وأشار بيده إلى سيفه . فقال له معاوية : أنت سيد الخطباء . قالوا : ولما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب ، قام صبرة بن شيمان ، فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنّا حي فعال ، ولسنا حي مقال ، ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا » .

--> ( 1 ) الجربياء : ريح تهب بين الجنوب والصبا . ( 2 ) العماءة : السحابة الكثيفة المطبقة . ( 3 ) في غب سماء : بعد أن تنقطع يوما . السماء : المطر . ( 4 ) الكيسي : جمع كيس . معظم هذه الأقوال سبق ورودها في هذا الكتاب . ( 5 ) حاجز بن عوف بن الحارث شاعر صعلوك من شعراء الجاهلية المقلين .