الجاحظ

219

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وقال : ومرّ رجل بأبي بكر ومعه ثوب ، فقال : أتبيع الثوب ؟ فقال : لا عافاك اللّه . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : لقد علّمتم لو كنتم تعلمون . قل : لا ، وعافاك اللّه . قال : وسأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال : اللّه أعلم . فقال عمر : لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن اللّه أعلم . إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل : لا أدري . وكان أبو الدرداء يقول : أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا باللّه . وذكر ابن ذر الدنيا فقال : كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ اللّه لها . ونظر أعرابي إلى مال له كثير ، من الماشية وغيرها ، فقال : « ينعة ، ولكل ينعة استحشاف « 1 » » . فباع ما هناك من ماله ، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين ، فلم يزل به حتى أتاه الموت . قال : وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي ، فقال : أتمنى كما تمنيتم ؟ قالوا : تمنّه . قال : « ليتنا لم نخلق ، وليتنا إذ خلقنا لم نعص ، وليتنا إذ عصينا لم نمت ، وليتنا إذ متنا لم نبعث ، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب ، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب ، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد » . وقال الحجاج : « ليت اللّه إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا ، فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح . أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة ، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه . فبلغ كلامهما عبد اللّه بن الحسن بن حسن ، أو علي بن الحسين ، فقال : ما علما في التمني شيئا ، ما اختاره اللّه فهو خير .

--> ( 1 ) الاستحشاف : اليبس والتقبض .