الجاحظ
203
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام ، فلما بلغ المنشد إلى قوله : والمرء ساع لشيء ليس يدركه * والعيش شحّ وإشفاق وتأميل قال عمر متعجبا : والعيش شح وإشفاق وتأميل يعجّبهم من حسن ما قسّم وما فصّل . وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين ، وهو ساكت ، فلما انتهى المنشد إلى قوله : الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهمة والهاع أعاد عمر البيت وقال : الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهّة والهاع وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه . قال محمّد بن سلام ، عن بعض أشياخه قال : كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر . وقال أبو عمرو بن العلاء : كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب ، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم ، ويهول على عدوهم ومن غزاهم ، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم ، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم . فلما كثر الشعر والشعراء ، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة ، وتسرعوا إلى أعراض الناس ، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر . ولذلك قال الأول : « الشعر أدنى مروءة السري ، وأسرى مروءة الدنيّ » .