الجاحظ
181
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وتكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفلاحة ، وتكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير ، أو في القراءة بالألحان ، وليت له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون . وتكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي « 1 » ، وتكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين ، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرهما ، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر . ومثل هذا كثير جدا . وكان عبد الحميد الأكبر ، وابن المقفع ، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله . وقيل لابن المقفع في ذلك ، فقال : الذي أرضاه لا يجيئني ، والذي يجيئني لا أرضاه » . وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء ، وكان زير غوان ، وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور ، مع حسده لجرير . وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط ، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا . وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز ، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد ، ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجأ ، وأبي النجم ، وحميد الأرقط ، والعماني . وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره . وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة ، وكذلك حال الخطباء في قريض الشعر . والشاعر نفسه قد تختلف حالاته . وقال الفرزدق : أنا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا .
--> ( 1 ) السرناي : كلمة فارسية ، معناها البوق الذي ينفخ فيه ويزمر .