الجاحظ

137

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ولأهل المدينة ألسن ذلقة ، وألفاظ حسنة ، وعبارة جيدة . واللحن في عوامهم فاش ، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب . واللحن من الجواري الظراف ، ومن الكواعب النواهد ، ومن الشواب الملاح ، ومن ذوات الخدور الغرائر ، أيسر . وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف ، ولكن إذا كان اللحن على سجية سكان البلد . وكما يستملحون اللثغة إذا كانت حديثة السن ، ومقدودة مجدولة ، فإذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح . وربما كان اسم الجارية غليّم أو صبيّة أو ما أشبه ذلك ، فإذا صارت كهلة جزلة ، وعجوزا شهلة ، وحملت اللحم وتراكم عليها الشحم ، وصار بنوها رجالا وبناتها نساء ، فما أقبح حينئذ أن يقال لها : يا غليم كيف أصبحت ؟ ويا صبية كيف أمسيت . ولأمر ما كنّت العرب البنات فقالوا : فعلت أم الفضل ، وقالت أم عمرو وذهبت أم حكيم . نعم حتى دعاهم ذلك إلى التقدم في تلك الكنى وقد فسرنا ذلك كله في كتاب الأسماء والكنى ، والألقاب والأنباز « 1 » : وقد قال مالك بن أسماء « 2 » في استملاح اللحن من بعض نسائه : أمغطّى مني على بصر لل * حب أم أمنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما * ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا * نا وأحلى الحديث ما كان لحنا [ عيون المعاني ] وهم يمدحون الحذق والرفق ، والتخلص إلى حبات القلوب ، وإلى

--> ( 1 ) راجع كشاف آثار الجاحظ الذي نشرناه ملحقا برسائل الجاحظ الكلامية ، طبعة دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، سنة 1987 . ( 2 ) مالك بن أسماء شاعر أموي غزل ، تزوج الحجاج أخته هندا .