الجاحظ
112
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقال الراجز « 1 » : إذا غدت سعد على شبيبها * على فتاها وعلى خطيبها من مطلع الشمس إلى مغيبها * عجبت من كثرتها وطيبها [ عودة إلى مفهوم البلاغة عند العتابي وعمرو بن عبيد وابن المقفع ] حدثني صديق لي قال : قلت للعتابيّ : ما البلاغة ؟ قال : كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة ، ويفوق كل خطيب ، فإظهار ما غمض من الحق ، وتصوير الباطل في صورة الحق . قال : فقلت له : قد عرفت الإعادة والحبسة ، فما الاستعانة ؟ قال : أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه : يا هناه ، ويا هذا ، ويا هيه ، واسمع مني واستمع إلي ، وافهم عني ، أو لست تفهم ، أو لست تعقل . فهذا كله وما أشبهه عيّ وفساد . قال عبد الكريم بن روح الغفاري ، حدثني عمر الشمري ، قال : قيل لعمرو بن عبيد : ما البلاغة ؟ قال : ما بلغ بك الجنة ، وعدل بك عن النار ، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك . قال السائل : ليس هذا أريد . قال : من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع ، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول . قال : ليس هذا أريد . قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنا معشر الأنبياء بكاء » أي قليلو الكلام . ومنه قيل رجل بكيء . وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله . قال : قال السائل : ليس هذا أريد . قال : كانوا يخافون من فتنة القول ، ومن سقطات الكلام ، ما لا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت . قال السائل : ليس هذا أريد . قال عمرو : فكأنك إنما تريد تخير اللفظ ، في حسن الإفهام ، قال : نعم . قال : إنك إن أوتيت تقرير حجة اللّه في عقول المكلفين ، وتخفيف المئونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني
--> ( 1 ) أبو نخلة الراجز شاعر عاصر شبيبا ومدحه بأرجوزة على بذلة خلعها عليه .