يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
371
بهجة المجالس وأنس المجالس
لما احتضر عمرو بن العاص قال : اللهمّ أمرتني فلم ائتمر ، وزجرتنى فلم أزدجر ، ووضع يده في موضع الغلّ ، فقال : اللهمّ لا قوىّ فأنتصر ، ولا بريء فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلّا أنت . فلم يزل يردّدها حتى مات . رحمه اللّه . وفي خبر آخر ، قيل لعمرو بن العاص في مرضه الّذى مات فيه : كيف تجدك قال : أجدني أذوب ولا أثوب . فلما قربت نفسه من أن تفيض قال له ابنه : قد كنت تحبّ أن ترى عاقلا فطنا قد احتضر ؛ فتسأله عما يجد المحتضر وقد احتضرت ، وأنا أحبّ أن تصف لي الموت . فقال : أجد كأنّ السماء منطبقة على الأرض ، وكأنّى أتنفس من خرم إبرة . « 1 » لما نزل بهشام بن عبد الملك الموت ، نظر إلى ولده يبكون حوله ، فقال لهم : جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء ، وترك لكم ما جمع ، وتركتم عليه ما اكتسب ، ما أعظم منقلبه إن لم يغفر اللّه له « 1 » . وقال معمر المتكلم صاحب المعاني : حضرت الوفاة رجلا كان معي في الحبس ، وكان داؤه البطن ، فقلت له : كيف تجدك ؟ قال : أجد تحرّرى أكثر من تبرّدى ، وأجد روحي قد خرج من نصفى الأسفل ، وكأن السّماء قد دنت منى فلو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت ، ومهما شككت في شيء فلا تشك أن الموت برد ويبس ، وأنّ الحياة رطوبة وحرارة .
--> ( 1 ) ساقط من ح .