يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
249
بهجة المجالس وأنس المجالس
أوصى أعرابىّ ابنه فقال : يا بنىّ ! اغتنم مسالمة من لا يدان لك بمحاربته ، وليكن هربك من السّلطان إلى الوحش في الفيافي وأطراف البلدان ، حيث تأمن سعاية السّاعى ، وطمع الطّامع منك ، ولا تغرنك بشاشة امرئ حتى تعلم ما وراءها ؛ فإن دفائن الناس في صدورهم ، وخدعهم في وجوههم ، ولتكن شكاتك الدّهر ، إلى ربّ الدّهر ، واعلم أنّ اللّه إذا أراد بك خيرا أو شرّا أمضاه فيك على ما أحبّ العباد أو كرهوا ، وأرح نفسك من التّعب بقبول القيل والقال ، فإنّ كلمة السّوء حبّة القلب ، كما أن الحنطة حبة الأرض ، إذا أصابها الماء نبتت ، وكذلك الكلمة السوء إذا زرعت في صدرك نبتت منها الضّغائن والبغضاء والعداوة . قال أبو العتاهية « 1 » : رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعه * وليس لمثلى بالملوك يدان قال شبيب بن شيبة : قال لي أبو جعفر المنصور - وكنت من سمّاره - عظني وأوجز . قال : فقلت يا أمير المؤمنين ! إنّ اللّه لم يجعل فوقك أحدا من خلقه ؛ فلا ترض من نفسك بأن يكون عبد هو أشكر منك . قال : واللّه لقد أوجزت وما قصّرت . قلت : واللّه لئن كنت قصّرت فما بلغت كنه النّعمة فيك . قال سعد بن أبي وقاص لسلمان : أوصني . فقال له : اذكر اللّه عند همّك إذا ( 1 ) أي كونوا أهل تقشف في المعاش .
--> ( 1 ) في ا : الشاعر . والبيت في ديوان أبى العتاهية 330 .