يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

247

بهجة المجالس وأنس المجالس

قال أبو بكر لعمر رضى اللّه عنهما في وصيته إيّاه : إذا جنيت جنى فكفّ يدك ، أو يشبع من جنيت له . من نازعتك نفسك إلى شركتهم ، فكن فيهم كأحدهم ، ولا تستأثر عليهم ، واعلم أنّ ذخيرة « 1 » الإمام تهلك دينه وتسفك دمه . وأوصى أبو الدّرداء رجلا ، فقال له : اعتقد لنفسك ما يدوم ، واستدل بما كان على ما يكون « 2 » . كان جندب بن عبد اللّه الأنصاري صديقا لعبد اللّه بن عباس ، فقال له حين ودعه : أوصني يا ابن عباس ، فإنّى لا أدرى أنجتمع بعدها أم لا . فقال : أوصيك يا جندب ونفسي بتوحيد اللّه ، وإخلاص العمل للّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزّكاة ؛ فإن كلّ خير أتيت بعد هذه الخصال مقبول ، وإلى اللّه مرفوع ، ومن لم يكمّل هذه الأعمال ردّ عليه ما سواها . وكن في الدنيا كالغريب المسافر ، واذكر الموت ، ولتهن الدّنيا عليك ، فكأنك قد فارقتها وصرت إلى غيرها ، واحتجت إلى ما قدّمت ، ولم تنتفع بشئ مما خلّفت . ثم افترقا . كتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد اللّه : أوصيك بتقوى اللّه ، فإنّه من اتقاه كفاه ووقاه ، ومن أقرضه جزاه ، ومن شكره زاده ، فاجعل التقوى عماد

--> ( 1 ) الذخيرة : ما ادخر من عرض الدنيا . ( 2 ) ا : على ما كان بما يكون .