يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

176

بهجة المجالس وأنس المجالس

فذاك كناية عن سفه الكفّ بالعطاء . وإذا قيل : فلان يقتصد ، فذلك كناية عن البخل وإذا قيل العامل مستقص ، فذلك كناية عن الجور . وأما قولهم في المثل : هذا أجلّ من الحرش ، فإن الأصمعي ذكر في تفسيره ذلك ، أن الضّبّ قال لابنه : إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ ، قال : وذلك أنهم يزعمون : أنّ الحرش تحريك اليد عند حجر الضّبّ ليخرج إذا ظن أنها حيّة . قال : وسمع ابنه يوما صوت الحفر ، فقال : يا أبت ! هذا الحرش ؟ فقال : يا بنى ! هذا أجلّ من الحرش ، فأرسلهما مثلا وأنشد : وأفطن من ضبّ إذا خاف حارشا * أعدّ له عند التأنس عقربا « 1 » وفي المثل : تعلمني بالضبّ وأنا حرشته . لأبى البلاد الطّهوىّ ، وكان من شياطين العرب « 2 » : لهان على جهينة ما ألاقى * من الرّوعات يوم رحى بطان « 3 » لقيت الغول تسرى في ظلام * بسهب كالعباية صحصحان « 4 » فقلت لها : كلانا نقض أرض * أخو سفر فصدّى عن مكاني « 5 »

--> ( 1 ) الخبر والبيت في الحيوان 6 / 53 منسوبا لأبى المنجوف السدوسي وفيه : التلمس بدل التأنس . ( 2 ) الأبيات التالية في الحيوان 6 / 234 ، 235 ، وانظر محاضرات الأدباء 2 / 280 ، المؤتلف والمختلف 163 . ( 3 ) في ح : رحى البطان ، ورحى بطان موضع بأرض هذيل . ( 4 ) في المؤتلف : تهوى جنح ليل ، والسهب : الفلاة ، العباية : ضرب من الأكسية ، والصحصحان : المستوى المبسوط . ( 5 ) النقض : المهزول قد نقضة السفر وأرهقه .