يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

170

بهجة المجالس وأنس المجالس

أحدهما طويل والآخر أيّد « 1 » ، فقال معاوية لعمرو : أما الطويل فقد أصبنا كفؤا له وهو قيس بن سعد بن عبادة « 2 » ، وأمّا الآخر الأيّد فقد احتجنا إلى رأيك فيه . فقال : هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض : محمد بن الحنفية « 3 » ، وعبد اللّه بن الزبير . قال معاوية : الذي هو أقرب إلينا منهما فلما دخل الرّجلان وجه إلى قيس بن سعد فدخل ، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله فرمى بها إليه فلبسها فبلغت ثندوته « 4 » ، فأطرق مغلوبا . وقيل لقيس في ذلك : لم تبذّلت في حضرة معاوية ؟ هلّا فعلت غير ذلك ؟ فقال : أردت لكيما يعلم النّاس أنّها * سراويل قيس والوفود شهود وألّا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل عادىّ نمته ثمود وإنّى من القوم اليمانين سيّد * وما النّاس إلّا سيّد ومسود وبذّ جميع النّاس أصلى ومنصبى * وجسم به أعلو الرّجال مديد « 5 » ثم وجه إلى محمّد بن الحنفية ، فدخل فخبّر بما دعى إليه ، فقال : قولوا له : إن شاء

--> ( 1 ) الأيد : القوى الوثيق التركيب . ( 2 ) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي ، صحابي ، وال من دهاة العرب ذوى الرأي والمكيدة في الحرب والنجدة ، كان يحمل راية الأنصار مع النبي ويلي أموره ، وصحب عليا في خلافه مع معاوية فاستعمله على مصر سنة 36 ثم عزله عنها ، وحارب معه في صفين وظل مع ابنه الحسن بعد ذلك حتى صالح معاوية فذهب إلى المدينة وتوفى بها سنة 60 ه . انظر الإصابة الترجمة 7179 ، الأعلام وهامشه 6 / 56 . ( 3 ) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي ، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر الحنفية ، أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام ، وكان واسع العلم ورعا ، وأخبار قوته وشجاعته كثيرة ، توفى بالمدينة سنة 81 ه . انظر : الأعلام والمراجع التي في هامشه 7 / 152 . ( 4 ) الثندوة : ثدي الرجل . ( 5 ) الأبيات والخبر في الكامل 1 / 308 ، وانظر محاضرات الأدباء 2 / 129 ، وفيات الأعيان 3 / 311 .