يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
536
بهجة المجالس وأنس المجالس
المرء بأدبه وتجربته ، ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلّا بصحة العقل المركب ، فإنهما إذا اجتمعا قوّى كلّ منهما صاحبه ، كما أن النار في الظلمة نور للبصر ، وأنشد : إذا لم يكن للمرء عقل يزينه * مع النّاس لم يجعل له مشفق عقلا « 1 » وقال آخر : ولا خير في حسن الجسوم وطولها * إذا لم يزن حسن الجسوم عقول « 2 » وقال أردشير بن بابك : نموّ العقل بالعلم . وكتب عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه ، إلى بعض عماله : أمّا بعد ، فإنّ العقل المفرد لا يقوى به على أمر العامّة ، ولا يكتفى به في أمر الخاصّة ، فأحى عقلك بعلم العلماء والأشراف من أهل التّجارب والمروءات ، والسّلام . قال أيوب بن القرّيّة : الناس ثلاثة : عاقل ، وأحمق ، وفاجر ، فالعاقل : الدّين شريعته ، والحلم طبيعته ، والرأي الحسن سجيّته ، إن نطق أصاب ، وإن سمع وعى ، وإن كلّم أجاب . والأحمق : إن تكلّم عجل ، وإن حدّث وهل ، وإن استنزل عن رأيه نزل . وأما الفاجر : فإن ائتمنته خانك ، وإن صحبته شانك . قال مطرّف بن الشّخّير : عقول كلّ قوم على قدر زمانهم .
--> ( 1 ) ب : فليجعل له مشفقا عقلا ( 2 ) يروى ونبلها مكان طولها ، وقد نسب البيت في البيان والتبيين 2 / 229 إلى مالك بن حمار الشمخى الفزاري ، وفي هامش أمالي القالى 1 / 39 أنه لهذيل بن ميسر الفزاري ، وورد في حماسة أبى تمام 2 / 14 لرجل من بنى فزارة ولم يعينه ، ونسب في معجم الأدباء 18 / 6 ، 3 إلى أبى العيناء .