الجاحظ

83

كتاب البغال

* [ باب تأثير البيئة في الحيوانات ] * وزعم ناس من العلماء أنّ الحمير الأخدريّة ، وهي أعظم حمير الوحش وأتمّها ، زعموا أنّ أصل ذلك النّتاج أن خيلا لكسرى توحّشت ، وضربت في العانات ، فكان نتاجها هذه الحمير التي لها هذا التمام . وقال آخرون : الأخدريّة هي الحمر التي تكون بكاظمة ونواحيها ، فهي كأنها برّيّة بحريّة . قالوا : ولا يجيء ، فيما بين الخيل والحمير إلّا البغال ، وليس للبغل نسل يعيش ، ولا نجل يبقى ، فكيف لقحت هذه الأتن من تلك الخيل حميرا ، ثمّ طبّقت تلك الصحارى بالحمر الخالصة ؟ . وقالوا : كان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيرا وسمه باسمه ، وبيومه الذي اصطاده فيه ، وأطلقه ، فإن تهيّأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملك من بعده ، وسمه مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السّمة وخلّاه يذهب ، فكان هذا الصنيع بعض ما كانوا يعرفون به حمير الوحش . فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصّقع الذي هذا صفته ، فإنّ للماء والتربة والهواء في هذا عملا ليس يخفى على أهل التجربة .