الجاحظ

35

كتاب البغال

بالمقرعة ، وقطع عليه البول . فقال الأعرابيّ : إنّها إحدى الغوائل ، قطع اللّه منك الوتين « 1 » . قال إبراهيم بن داحة : كان في طريق الموصل سكّة بريد ، وبقرب السكّة مسجد ومستراح للمسافر ، وفي تلك السكّة بغل لا يرام ولا يمانع ، وكان إذا انفلت من قيده وسلسلته ، وقد عاين برذونا أو بغلا أو فرسا ، اغتصبه نفسه ، واقتسره اقتسارا ، فلا ينزع عنه حتى يكومه ، وربما قتله ، لعظم جردانه ، وإن كان عليه راكبه صرعه ، وربما قتله ، حتى جاء شيخ أعرابيّ على فرس له أعرابيّ أعجف بادي الحراقيف ، حتى نزل عن فرسه على دكّان ذلك المسجد ، وعلّق المخلاة في رأسه ، وحلّ حزامه ، وترك عليه سرجه ، وأخذ مخلاته ، وجاء البغل قد أدلى ، يريد أن يركب فرس الأعرابيّ ، فجمع رجليه ، فواتر على جبهة البغل ، وعلى حجاج عينيه ، فرمحه خمس رمحات أو ستّا متواليات ، كلّها يقع حافرا رجليه معا ، فنكص البغل شيئا يسيرا ، ثم عاوده ، فنثر على وجهه وحجاج عينيه مثل ذلك العدد ، في أسرع من اللّحظ ، وفرس الأعرابيّ في ذلك كلّه واقف لا يتحلحل ، والأعرابيّ قد ضحك حتى استلقى ، فولّى البغل يريد السكّة ، فشدّ عليه فرس الأعرابيّ من بين يديه ، فلحقه الفرس فعضّضه ، وكأمه الفرس ، ورجع الفرس إلى موضعه ، ودخل البغلّ السكّة ، فكبّروا عليه ، ونثروا عليه الرّوث اليابس ، وشمت به جميع السّاسة ، وافترّوا عليه ، فترك البغل ذلك الخلق . وقال الأعرابيّ وكأنه يخاطب البغل : ظننت فريس الشّيخ يا بغل نهزة * فجئت مدلّا كالهزبر « 2 » تطاوله

--> ( 1 ) الوتين : عرق في القلب . ( 2 ) الهزبر : الأسد .