الجاحظ

27

كتاب البغال

عائشة » . ومن بعد هذا ، فأيّ رئيس قبيل من قبائل قريش كانت تبعث إليه عائشة - رضي اللّه عنها - رسولا فلا يسارع ، أو تأمره فلا يطيع ، حتى احتاجت أن تركب بنفسها ؟ وأيّ شيء كان قبل الركوب من المراسلة والمراوضة والمدافعة والتقديم والتأخير ، حتى اضطرّها الأمر إلى الرّكوب بنفسها ؟ وإنّ شرّا يكون بين حيّين من أحياء قريش ، تفاقم فيه الأمر ، حتى احتاجت عائشة - رضي اللّه عنها - إلى الركوب فيه ، لعظيم الخطر ، مستفيض الذّكر ؛ فمن هذا القبيلان ؟ ومن أيّ ضرب كان هذا الشرّ ؟ وفي أيّ شيء كان ؟ وما سببه ؟ ومن نطق من جميع رجالات قريش فعصوه وردّوا قوله ، حتى احتاجت عائشة فيه إلى الركوب ؟ ولقد ضربوا قواديم الجمل ، فلما برك ومال الهودج صاح الفريقان : « أمّكم ! أمّكم » . فأمر عائشة أعظم ، وشأنها أجلّ ، عند من يعرف أقدار الرجال والنساء ، من أن يجوّز مثل هذا الحديث المولّد ، والشرّ المجهول ، والقبيلتين اللتين لا تعرفان . والحديث ليس له إسناد ؛ وكيف وابن أبي عتيق شاهد بالمدينة ، ولم يعلم بركوبها ، ولا بهذا الشرّ المتفاقم بين هذين القبيلتين ؟ ثم ركبت وحدها ، ولو ركبت عائشة لما بقي مهاجريّ ولا أنصاريّ ، ولا أمير ولا قاض إلّا ركب ؟ فما ظنّك بالسّوقة والحشوة ، وبالدّهماء والعامّة . وما هو إلّا أن ولّد أبو مخنف « 1 » حديثا ، أو الشّرقيّ بن

--> ( 1 ) أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الكوفي رائد التاريخ العربي ، كتب فيه نحو ثلاثين مقالة .