الجاحظ

125

كتاب البغال

وإنما يوصف الفرس العتيق بصفة الإنسان من بين جميع الحيوان يقولون : فرس كريم ، وفرس جواد ، وفرس رائع . فأمّا قولهم « كريم » و « عتيق » فإنّما يريدون أن يبروه من الهجنة والإقراف ، وكيف يجعلون البرذون لاحقا بالعتيق ، وإن دخل الفرس من أعراق البراذين شيء هجّنه ؟ . وفي القرآن : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ حين أراد أن يعدّد أصناف نعمه ؛ أفتراه ذكر نعمه في الحمار والبغل ، ويدع نعمته في البراذين ، والبراذين أكثر من البغال ، ولعلّها أكثر من الحمير الأهليّة ، التي هي للركوب ، لأنّ اللّه تعالى قال : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ؟ وحمر الوحش وإن كانت حميرا فليست بمراكب . وفرسان العجم تختار في الحرب البراذين على العتاق ، لأنها أحسن مواتاة . والفحل والحصان من العتاق ربّما شمّ ريح الحجر في جيش الأعداء ، فتقحّم يفارسه حتّى يعطب ، ولذلك اختاروا البراذين للصّوالجة والطّبطابات « 1 » والمشاولة « 2 » ، وإنما أرادوا بذلك كلّه أن يكون دربة للحرب وتمرينا وتأسيسا . فأكثر الحمير والبغال تتّخذ لغير الركوب ، وليس في البراذين طحّانات ولا نقّالات ، ولا تكسح عليها الأرض إلا في الفرط . فكيف يدع ذكر ما هو أعظم في المنفعة ، وأظهر في النّعمة ، مع الجمال والوطاءة إلى ذكر ما لا يدانيه ؟ . قال : وممّا يهجّن شأن البغل ويخبر عن إبطائه عند الحاجة إلى سرعته ، أنّ القائد الشّجاع ، والرئيس المطاع ، إذا أراد أن يعلم

--> ( 1 ) الطبطابات : جمع طبطاب وهو مضرب الكرة . ( 2 ) المشاولة : المطاعنة بالرماح .