الجاحظ
117
كتاب البغال
قالت : بدائك مت أو عش تعالجه * فما نرى لك فيما عندنا فرجا قد كنت جرّعتني غيظا أعالجه * وإن ترحني فقد عنّيتني حججا فقلت : لا والّذي حجّ الحجيج له * ما محّ حبّك من قلبي وما نهجا وقال الآخر : قفي يا ربّة البغل * أخبّرك على رجل « 1 » فبينا ذاك إذ نادى * مناد غير ما ختل فعجنا بامرئ ضخم * على أهوج كالهقل « 2 » وعجنا كلّ مسودّ * وممسود القرا عبل « 3 » إذا لم تك ذا رأي * وذا قول وذا عقل وقالت أختها الصّغرى * رددناه إلى غفل ترى الفتيان كالنّخل * وما يدريك ما الدّخل وليس الشّأن في الوصل * ولكن يعرف الفضل وحدّث مصعب الزّبيريّ عن بعض أشياخه ، قال : إنّا لبالأبطح أيّام الموسم ، إذ أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية ، على بغلة شهباء ، وما ندري أهو أشدّ بياضا ، أم بغلته ، أم ثيابه ، فاندفع يغنّي : أسعديني بعبرة أسراب * من دموع كثيرة التّسكاب فارقوني وقد علمت يقينا * ما لمن ذاق ميتة من إياب ثم ضرب دابّته وذهب ، فأدركناه ، فإذا هو حنين النّخعيّ « 4 » ، وكان نصرانيّا مستهترا بالغناء .
--> ( 1 ) الرجل : الخوف . ( 2 ) اهوج كالهقل : بعير كالظلم أو ذكر النعام . ( 3 ) ممسود : مجدول . ( 4 ) هو حنين بن بلوغ الحيري . وكان شاعرا مغنيا فحلا من فحول المغنين ، غنى لهشام بن عبد الملك .