الجاحظ

107

كتاب البغال

على مركب من مراكب الفرسان ! وأطال الوقوف حتى ملّ ظهر الفرس ، وأتوه ببغل فركبه ، فقيل لو [ هرز : قد ] نزل عن الفرس ، وركب البغل . قال : عن مراكب الملوك ، وعن معاقل [ الفرسان ] ، ثم ركب البغل ابن الحمار ! وكان على مسروق تاجه ، وياقوتة معلّقة بين عينيه ، فقال وهرز لمن حوله : إني راميه ، فإن رأيتموهم يجتمعون عليه ، ولا ينفرجون عنه ، فقد قتلته ، فشدّوا عليهم شدّة واحدة ، وإن تفرّقوا فإنما هي رمية . فرمى فأصاب نفس الياقوتة المعلقة بين حاجبيه ، ففلقتها ، وغابت النشّابة في رأسه ، فاجتمعوا عليه ، ولم يتفرّقوا عنه ، فشدّوا عليهم شدّة واحدة كانت إياها . وبلغني عن عليّ بن زيد بن جدعان « 1 » ، قال : شخص أبو سفيان إلى معاوية بالشام ، في ولاية عمر رضي اللّه عنه ، ومعه ابناه عتبة وعنبسة ، فكتبت إليه هند : « قد قدم عليك أبوك وأخواك ، فلا تغذم لهم « 2 » ، فيعزلك عمر . احمل أباك على فرس وأعطه ثلاثة آلاف درهم ، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم ، واحمل عنبسة على حمار واعطه ألف درهم » . فلما فعل ذلك بهم قال أبو سفيان : أشهد أنّ هذا عن رأي هند ، بصفة جوائز ملوك الشام ، وما لخلفاء الشام والدّراهم ، ما يعرفون إلّا الدنانير ! قال النابغة الجعدي :

--> ( 1 ) هو أبو الحسن علي بن زيد بن أبي مليكة جدعان القرشي التيمي البصري الشيعي الضرير . أحد أوعية العلم في زمانه . روى عن أنس وابن المسيب وجماعة ، وروى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . توفي سنة 139 وقيل سنة 131 ه . ( 2 ) غذم له من ماله شيئا : أعطاه منه شيئا كثيرا .