ابن حجر العسقلاني
52
فتح الباري
كالسرج للفرس وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور ويدل عليه قوله في بعض طرقه إنما يسافر أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أويس عن سليمان الأغر عن أبي هريرة ( قوله إلا ) الاستثناء مفرغ والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي ( قوله المسجد الحرام ) أي المحرم وهو كقولهم الكتاب بمعنى المكتوب والمسجد بالخفض على البدلية ويجوز الرفع على الاستئناف والمراد به جميع الحرم وقيل يختص بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم قال الطبري ويتأيد بقوله مسجدي هذا لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة فينبغي أن يكون المستثنى كذلك وقيل المراد به الكعبة حكاه المحب الطبري وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ الا الكعبة وفيه نظر لأن الذي عند النسائي الا مسجد الكعبة حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم قال بل في الحرم لأنه كله مسجد ( قوله ومسجد الرسول ) أي محمد صلى الله عليه وسلم وفي العدول عن مسجدي إشارة إلى التعظيم ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة ويؤيده قوله في حديث أبي سعيد الآتي قريبا ومسجدي ( قوله ومسجد الأقصى ) أي بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة وقد جوزه الكوفيون واستشهدوا له بقوله تعالى وما كنت بجانب الغربي والبصريون يؤولونه بإضمار المكان أي الذي بجانب المكان الغربي ومسجد المكان الأقصى ونحو ذلك وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة وقيل في الزمان وفيه نظر لأنه ثبت في الصحيح أن بينهما أربعين سنة وسيأتي في ترجمة إبراهيم الخليل من أحاديث الأنبياء وبيان ما فيه من الاشكال والجواب عنه وقال الزمخشري سمي الأقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد وقيل لبعده عن الأقذار والخبث وقيل هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد منه ولبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين منها إيلياء بالمد والقصر وبحذف الياء الأولى وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث وبيت المقدس بسكون القاف وبفتحها مع التشديد والقدس بغير ميم مع ضم القاف وسكون الدال وبضمها أيضا وشلم بالمعجمة وتشديد اللام وبالمهملة وشلام بمعجمة وسلم بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة وأورى سلم بسكون الواو وبكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة قال الأعشى وقد طفت للمال آفاقه * دمشق فحمص فأورى سلم ومن أسمائه كوره وبيت ايل وصهيون ومصروث آخره مثلثه وكورشيلا وبابوس بموحدتين ومعجمة وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغوي في كتاب ليس وسيأتي ما يتعلق بمكة والمدينة في كتاب الحج وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولان الأول قبلة الناس واليه حجهم والثاني كان قبلة الأمم السالفة والثالث أسس على التقوى واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى