ابن حجر العسقلاني
13
فتح الباري
والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف اتركه قال ابن بطال في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وأن أضر ذلك ببدنه لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار انتهى ومحل ذلك ما إذا لم يفض إلى الملال لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال فكان لا يمل من عبادة ربه وأن أضر ذلك ببدنه بل صح أنه قال وجعلت قرة عيني في الصلاة كما أخرجه النسائي من حديث أنس فأما غيره صلى الله عليه وسلم فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وفيه مشروعية الصلاة للشكر وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان كما قال الله تعالى اعملوا آل داود شكرا وقال القرطبي ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا فيتعين كثرة الشكر على ذلك والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة فمن كثر ذلك منه سمي شكورا ومن ثم قال سبحانه وتعالى وقليل من عبادي الشكور وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه قال العلماء إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد والله أعلم * ( تكملة ) * قيل أخرج البخاري هذا الحديث لينبه على أن قيام جميع الليل غير مكروه ولا تعارضه الأحاديث الآتية بخلافه لأنه يجمع بينها بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على قيام جميع الليل بل كان يقوم وينام كما أخبر عن نفسه وأخبرت عنه عائشة أيضا وسيأتي نقل الخلاف في إيجاب قيام الليل في باب عقد الشيطان أن شاء الله تعالى ( قوله باب من نام عند السحر ) في رواية الأصيلي والكشميهني السحور ولكل منهما وجه والأول أوجه وأورد المصنف فيه ثلاثة أحاديث أحدها لعبد الله بن عمرو والآخران لعائشة ( قوله في حديث عبد الله بن عمرو أن عمرو بن أوس أخبره ) أي أبن أبي أوس الثقفي الطائفي وهو تابعي كبير ووهم من ذكره في الصحابة وإنما الصحبة لأبيه ( قوله أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ) قال المهلب كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه هل من سائل فأعطيه سؤله ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل وهذا هو النوم عند السحر كما ترجم به المصنف وإنما صارت هذه الطريقة أحب من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يخشى منه السآمة وقد قال صلى الله عليه وسلم أن الله لا يمل حتى تملوا والله يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه وانما كان ذلك أرفق لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم بخلاف السهر إلى الصباح وفيه من المصلحة أيضا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال وأنه أقرب إلى عدم الرياء لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد وحكى عن قوم أن معنى قوله أحب الصلاة هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال