علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

9

البصائر والذخائر

1 - قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : خمس من أتى اللّه بهنّ أو بواحدة منهنّ أوجب له الجنّة : من سقى هامة صادية ، أو أطعم كبدا هافية ، أو كسا جلدة عارية ، أو حمل قدما حافية ، أو أعتق رقبة عانية . قوله سقى وأسقى ، وقد فصل قوم بينهما « 1 » ، فقال : سقى أي جعل له ما يسقي به نفسه ، وأسقى أي حصل له ماء سقيا ؛ والسّقي - بكسر السين - فنصيبه الباقي من المسقي ، فأما السّقي فمصدر على بابه المعتاد . والهامة الصادية : الإنسان العطشان ، وفي سقي الماء آثار مأثورة ؛ والصدى مقصور ، يقال : صدي يصدى صدى وهو صاد . والكتّاب يقولون : أنا صاد إلى لقائك ، على الاستعارة ، وهو كلام العرب ، [ وأمّا الصّدى ] فهو الذي يجيبك إذا ناديت بين جبلين ، وذلك « 2 » تراجع الصوت على الحقيقة ليس أنّ حيوانا يردّ عليك ، وتقول في الأول أنا صاد وصديان وهي صادية وصديا ؛ ويقال : فلان صدى مال إذا كان سائسا له لا همّ له [ سواه ] . وقوله : « كبدا هافية » من الجوع ، فإنّ الكبد تهفو أي تخفّ ، يقال : فلان قلبه هاف وأمره غاف وسرّه واف ، هكذا سمعت الحرّاني بمكة ، وكان فصيحا . وأما « الرقبة العانية » فهي المماليك ، لأنّهم أسرى قبضة . وإنما قلت هذا لأنّ بعض من يضيق عطنه عن الاتساع في الاستعارة قال : فإن أعتق عانيا لا يجوز ، وهذا [ يعوزه ] تمييز صحيح الكلام من سقيمه .

--> ( 1 ) قد جمع بينهما لبيد في قوله ( ديوانه : 93 ) : سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال ( 2 ) ل : وكذلك .