علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
7
البصائر والذخائر
لأني لا ألقى آخذا بفضلي ، ساترا لنقصي ، ومتى بتّ القضاء على العالم بادعاء ما لا يحسنه ، وجزم عليه الحكم بالعجز عما لا يقوم به ، فقد سقطت بيّنته فيما يحسن ، وبارت بضاعته فيما يتصرّف ، وإنما الإنصاف إذا فقد الإسعاف ، وأن يكون الثناء على قدر البلاء ، والتقريع على قدر التضجيع « 1 » . لا تكذب ، فما السعيد إلّا من نظر اللّه تعالى إليه ، ونقله سعيدا إلى ما لديه . اللهمّ لا تحرمنا السلامة إن منعتنا الغنيمة ، ولا تحوجنا إلى منازلة خلقك في إبطال باطل وتحقيق حقّ ، وتولّنا بالكفاية ، واحرسنا بالعصمة ، واغمرنا بالرحمة . اللهمّ أنت مناط الهمّة ، ومنتهى البال ، وصفاء « 2 » النفس ، وخلصان الرّوع ، ووليّ النعمة في الأولى والآخرة . نعوذ بك من أمل نزداد به إثما ، ومن استدراج نكتسب به ظلما ، ومن طاعة يشوبها رياء ، ونعوذ بك من كل ما أبعد عنك ، وأيأس منك . تأهّب أيها الرجل لأمرين جسيمين ، لا أمان لك إلّا بهما ، ولا نجاة لك إلّا معهما : لعلم يهديك إلى اللّه ، وعمل ينجيك من اللّه ، فبالعلم تقصد وبالأعمال تصل ، وبالعلم تعرف وبالعمل تجزى « 3 » ؛ ولا تستغن بقول من قال : عليك بجمع المال فما المرء إلّا بدرهمه ، فالمال عرض والعلم جوهر ، والجوهر ما قام بنفسه والعرض ما ثبت بغيره ، والعلم من قبيل العقل والمال من قبيل الجسم ، والجسم فان وتابعه معدوم ، والعقل باق وصاحبه موجود ، وشهادة المال زور وشهادة العلم حقيقة ، وبيّنة المال كاذبة وبيّنة العلم صادقة ؛ والعلم يحتاج إلى المال ولكن للزينة ، والمال يحتاج إلى العلم ولكن للتمام ، فكم « 4 »
--> ( 1 ) التضجيع في الأمر : التقصير فيه . ( 2 ) ص : وصفى . ( 3 ) ص : تجرى . ( 4 ) ص : فكم بين ؛ وفي هامش هذا السطر في ص إشارة خطأ .