علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
36
البصائر والذخائر
109 - وقف غيلان على ربيعة فقال : أنت الذي تزعم أنّ اللّه يحبّ أن يعصى ؟ قال : فأنت الذي تزعم أنّ اللّه تعالى يحبّ أن يعصى قسرا ؟ ! « 1 » انظر إلى المعنى كيف يتردّد في هذا الكتاب عن السّلف بألفاظ مختلفة ، والحقّ في ذلك قائم ، وهو سرّ من أسرار اللّه والخلق ، لا ينكشف إلّا لمن كان صافي القلب من الهوى ، قابلا لما دعا إلى الهدى . 110 - اعلم أنّ الحقّ قد تولّاك بإرادتين : إرادة منك وإرادة بك ، فأما إرادته منك فإنّه أبانها لك بلسان التكليف والتّوقيف ، وأما إرادته بك فإنه لواها عن كلّ تعريف وتكييف ، ثم أقامك بينهما على حدّ أزاح فيه عللك ، وأوضح إليه سبلك ، ثم ساق حقوقك إليك ، ثم أثبت حجّته عليك ، فلم تبق بقية تقتضيها آلاء « 2 » الإلهية بلسان الحكمة وتستوجبها العبودية في حال الحاجة إلّا أدناك إليها ، وأناف بك عليها ، فإن قابلت الأمر بالائتمار ، والنهي بالانتهاء ، والدعاء بالإجابة ، والهداية بالاهتداء ، فقد صادفت إرادته منك وإرادته بك ، واستحققت بمصادفتك إرادته منك بالأمر والنّهي ما وعدك ، وإن أعرضت عن الأمر عاصيا ، وركبت النهي مجترئا ، واستخففت بحقّه متمرّدا ، فقد نفذت إرادته بك ، وتمّ علمه فيك ، ولكن ثبتت حجّته عليك لما أسلفك من التّمكين وأعارك من الطّاقة ، وليس لك أن تحتجّ في المقام الثاني بعلمه فيك وإرادته بك ، لأن هذا باب كان خافيا عنك مطويّا ، ولم تكن محتاجا إليه ، ولا متعلّقا به ، ولا مستحقا له . فقد بان لك أنك لم تدخل بعلمه فيما نهاك عنه ، ولا كانت إرادته بك علّة لك في معصيتك ، لأنّ هذه الإرادة من هذا العالم تكشف لك بعد
--> ( 1 ) إشارة إلى قول غيلان بالقدر دون الجبر في أفعال الإنسان . ( 2 ) ص : الا .