علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

231

البصائر والذخائر

677 - سمعت بعض أصحاب الورع يقول : ترك ما لا يعني صعب . وكان بعض المشايخ ممن يتحلى بالحكمة ويتظاهر بالفضيلة دخل حمّاما فوجده حارا ، فقال لمن بجنبه : ما أحرّ هذا الحمام ؟ قال هذا : ذاك كأني لا أعلم أنك تجد من حرارة هذا البيت ما أجد ، حتى تتجرّد « 1 » لهذا القول وتشغل « 2 » نفسي بهذا الخبر ، وتقيّد لسانك « 3 » بهذا اللفظ ، فما الذي أفاد هذا أحدنا ؟ ولقد أخذ هذا الشيخ مأخذا صعبا ؛ وقيل : من التّوقّي ترك التّجنّي ، وترك الإفراط في التوقي « 4 » ؛ وكأنّ هذا الرجل قريب « 5 » من صاحب الزّبيبة ، فإن رجلا رؤي بمنى وعرفات وبيده زبيبة « 6 » وهو ينادي : ألا من ضاعت له زبيبة ؟ فقيل له : أمسك ، فإنّ هذا من الورع الذي يمقته اللّه عزّ وجلّ ، وللنفس حصة ولها استراحة « 7 » وعليها منها كرب ، ومع التزمت « 8 » تطلّق ومع التّقبّض هشاشة ، ومع التعمّل « 9 » دماثة ، وللإنسان من كلّ شيء حظّ ، ولكل شيء منه « 10 » نصيب ، ولو كان الإنسان مصبوبا في قالب واحد ، ومصوغا « 11 » على خطّ واحد « 12 » ، ولو كان الإنسان واحدا « 13 » ، ومسلولا عن طبيعة واحدة ، لكان هذا يستمرّ بعض

--> ( 1 ) ص : أتجرد . ( 2 ) ص : وأشغل . ( 3 ) ص : فأقيد لساني . ( 4 ) عيون الأخبار 2 : 8 ، وقد أورد البشر بن فاتك في مختار الحكم : 174 « إن من التوقي ترك الإفراط في التوقي » منسوبا إلى أفلاطون ، وانظر جمع الجواهر : 8 . ( 5 ) ص : قريبا . ( 6 ) وبيده زبيبة : زيادة من م . ( 7 ) ص : وللنفس استراحة . ( 8 ) ص : التزمن ؛ م : الزمان . ( 9 ) ص : التكمل . ( 10 ) ص : فيه . ( 11 ) ص : ومفرغا . ( 12 ) واحد : سقطت من ص . ( 13 ) ولو كان الإنسان واحدا : سقطت العبارة من م ( وهي تكرار لا لزوم له ) .