علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
128
البصائر والذخائر
سمعتموها ، فعلام قلّدناكم أزمّة أمورنا ، وحكّمناكم في دمائنا وأموالنا وأدياننا ؟ وما تعلمون أنّ فينا « 1 » من هو أفصح بصنوف اللغات ، وأعرف بوجوه الكلام منكم ، فتحلحلوا لهم عنها « 2 » ، وإلّا فأطلقوا عقالها ، وخلّوا سبيلها ، يبتدر إليها من « 3 » شردتموهم في البلاد ، وقتلتموهم في كلّ « 4 » واد ؛ وأما لئن ثبتت في أيديكم لاستيفاء المدة ، وبلوغ الغاية ، وعظم المحنة ، إنّ لكلّ قائم يوما لا يعدوه ، وكتابا يتلوه لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ( الكهف : 45 ) وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( الشعراء : 227 ) . هكذا وجدت بخطّ السيرافي ، وما رأيت له إسنادا . ولقد ملكني العجب بهذا الكلام ، فإني ما سمعت أحسن « 5 » موقعا منه . والذي يزيد في التعجب « 6 » قيام هذا الرجل إلى ذلك العفريت بهذا الكلام الذي ينفذ منفذ السهم ويعمل عمل السمّ ، سبحان اللّه ما كان أبلّ ريقه ، وأجلح « 7 » وجهه ، وأقوى منّته « 8 » ، وأصدق نيّته « 9 » ، وأقتل مرّته « 10 » ؛ وما تكاد ترى « 11 » مثل هذا في زمانك ، أي واللّه ولا من دونه ولا من يحكي هذا القول بعينه . لقد خسّ حظّ الأديب ، وخوى نجم الأدب « 12 » ، وانثلم ركن الدين ، وخاس « 13 » عهد
--> ( 1 ) فينا : قراءة ص والفنون ؛ م : منّا . ( 2 ) م : عنها لهم . ( 3 ) ص : الذين . ( 4 ) م : بكل . ( 5 ) ص : فما سمعت أعظم . ( 6 ) ص : والذي يزيدنا التعجب . ( 7 ) التجليح : الإقدام الشديد والتصميم في الأمر والمكاشفة في العداوة . ( 8 ) ص : حسه . ( 9 ) ص : لهجته . ( 10 ) ص : مريرته . ( 11 ) ص : وما يكاد يرى . ( 12 ) زاد في ص : وبارت بضاعته . ( 13 ) م : وحاش ، ومعنى خاس : فسد وأنتن .