علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

12

البصائر والذخائر

وبرهان مبين ، وقول متين ، ونادرة ملهية ، وموعظة مبكية ، وللرفيع فيه مرتع ، وللمتوسط إليه مفزع ، وللدنيّ به مقمع ، وأفنيت في ذلك وأطنبت ، وصعّدت فيه وصوّبت . فلا تحرمني عفوك عند زلّة أفتضح بها عندك ، ولا تبخل عليّ بمدحك في صواب أعرضه عليك ، وأجهّزه إليك ، وكن من إخوان الصّدق ، وأعوان الحقّ ، ولعمري لك عليّ مقال فيه ، ومتعلّق به ، ومدخل منه ، لأني قد شعّثت أعراض « 1 » قوم ، وأعلنت أسرار ناس ، وزدت في بعض ذلك مستثبتا « 2 » ، ونقصت مجانبا ، وألممت معرّضا « 3 » ، وكاشفت مصرّحا ، وطويت محسّنا ، ونشرت مقبّحا ، ولكنّ ذاك مع توخّي الحق مقبول ، وفي خلال الصّواب مستحسن ، وفي جمهور الصّدق نافع . ومن هذا الذي تصدّى لمثل هذا الكتاب ، مع طوله وكثرة عدد أوراقه « 4 » ، وتصرّف راويه ، واختلاف أساليبه ومعانيه ، مع ضيق الصّدر ، وغروب الصّبر ، وخفّة ذات اليد ، وسوء الظنّ باليوم أو غد ، فلم يهرف ، ولم يخرف ، ولم يظلم ولم يجزف ؟ هذا ضمان لا يصحّ الوفاء به ، ووعد لا يبعد من الخلف فيه ، وحكم لا يبرأ « 5 » الشّطط منه ، وإذا مزج حقّه بباطله ، وقرن خيره وشرّه ، وأضيف سقيمه إلى صحيحه ، كان قوام الجميع للحقّ ، وكنت إذ ذاك في طبقة من « 6 » يسامح بما كره له لبلوغه الغاية فيما أصاب فيه . على أنّا نلجأ إلى اللّه في كل عسر ويسر ، وعليه نتوكل في كلّ صغير وكبير ، وإيّاه نستعين في جميع الأمور ، فبيده الخير وهو على كل شيء قدير .

--> ( 1 ) ل : سعيت في أعراض . ( 2 ) ل : مستيقنا . ( 3 ) ل : مقرضا . ( 4 ) ل : ورقة . ( 5 ) ل : يتم . ( 6 ) ل : حسن .