علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

9

البصائر والذخائر

فإن معاذ بن جبل قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا معاذ ، المؤمن لدى الحقّ أسير ؛ يا معاذ ، إنّ المؤمن من لا يسكن من روعته ، ولا يأمن من اضطرابه ، حتى يخلّف جسر جهنّم وراء ظهره ؛ يا معاذ ، إنّ المؤمن قيّده القرآن عن كثير من شهواته ، فالقرآن دليله ، والخوف محجّته ، والشوق مطيّته ، والصلاة كهفه ، والصوم جنّته ، والصّدقة فكاكه ، والصدق أميره « 1 » ، والحياء وزيره ؛ يا معاذ ، إني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي ، وأنهي لك ما أنهى إليّ خليلي جبريل عليه السلام ؛ يا معاذ ، المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه ، حتى عن كحل عينيه ، وفتات الطين بإصبعيه ، فلا ألفينّ « 2 » يوم القيامة واحدا أسعد بما آتاه اللّه منك ؛ روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن أحمد بن أبي الحواري « 3 » . وامقت الدنيا مقتا ، ولا يقنطنّك من اللّه تعالى بعض ما يضيّق عليك من رزقك ، ويخيّب من آمالك ، ويفوّت من مرادك ، فإنّك عند السّعة مطالب بشكر أثقل من الضّيق عند الضّيق ، ممتحن بصبر تحمله أيسر من اليسر ، والقائل يقول : [ الوافر ] فلا تجزع وإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في الزمن الطويل ولا تيأس فإنّ اليأس كفر * لعلّ اللّه يغني عن قليل

--> ( 1 ) ح : أمره . ( 2 ) ح : فلا لفينك . ( 3 ) أبو حاتم الرازي اسمه محمد بن إدريس بن المنذر بن داود ، وهو أحد الأئمة الأعلام في الحديث . توفي سنة 277 ؛ ترجمته في تاريخ بغداد 2 : 73 وتهذيب التهذيب 9 : 31 والوافي 2 : 183 ؛ وابن أبي الحواري اسمه أحمد بن عبد اللّه بن ميمون التغلبي أبو الحسن الدمشقي الغطفاني الزاهد ، وكان من أعلم الناس بأخبار النسّاك ، وتوفي سنة 246 ؛ انظر تهذيب التهذيب 1 : 49 .