علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

7

البصائر والذخائر

هذا الجزء الخامس من البصائر ، وهو صنو ما سلف منه ، فاجعله درسك ليلك ونهارك ، واجعله تلاوتك سرّك وجهارك ، واختلس حظّك من المعارف فيه تتخلّص من المناكر ، وخض بحر المعارف تنج من المجاهل ، واعلم أنّ عملك لا يزكو ، وسرّك لا يصفو ، وعاقبتك لا تحلو ، حتى تقف بين أمر اللّه ونهيه ، غير محتجّ بإرادة اللّه تعالى وعمله ، متوقفا عما وقفك عنه ، متخفّفا إلى ما أنهضك إليه ، عالما بأنّ البدء منه ، والحجّة منه عليك ، وأنّ الذي عليك بنسبتك إليه أن تكون عبدا ذليلا ، والذي لك عنده أن يجعلك ملكا عزيزا ، ولا تفوتنّ نفسك فإنك حظّها ، ولا تفوتنّك نفسك فإنّها حظّك ، واتّق عذابا « 1 » يستغرقك ، وخف حسابا يأتي عليك ، وافتح ديوان نفسك ، وكن رقيب أمرك ، قبل أن يشركك من لا يوطئ عشوة ، ولا يقبل رشوة ، واعلم أنك في هذه الدار بين طيّب وخبيث ؛ وقديم وحديث ، وقول وعمل ، وعذر وعذل ، وإضرار « 2 » واختيار ، وشكر وصبر ، ووفاء وغدر ، وعزاء وجزع ، وأمان وفزع ، وظلمة ونور ، وترحة وسرور ، وغمّة وانجلاء ، وهبطة واعتلاء ، وعافية وابتلاء ، وصحوة وسكر ، ولذّة وحسرة ، ويقين وحيرة ، واجتماع وفرقة ، وإمتاع وحرقة ، ووحشة وأنس ، وهمّ وعرس ، وإطلاق وحبس ، واستقلال « 3 » ونكس ، وسعادة ونحس ، ونزاهة وحرص ، وحفظ وإضاعة ، وكتمان وإذاعة ، ودرك وفوت ، وحياة وموت ، فخذ نفسك بالإعراض عن زهرة تحول ، ونعم تبلى ، ومدّة تنصرم ، وشهوة تنقضي ، وتبعة تبقى ، وندم يصير لزاما ، والزم الصّمت إلى أن ترى هلكك فيه ، والزم النّطق إلى أن ترى ضياعه عنك

--> ( 1 ) ح : حدابا ( دون إعجام ) . ( 2 ) الإضرار هنا بمعنى الإلجاء إلى الضرورة . ( 3 ) الاستقلال بمعنى الإبلال من المرض .