علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
10
البصائر والذخائر
محاسن تلهيك عن السّماء إذا ازدانت بمصابيحها ، وعن الأرض إذا اقتانت « 1 » بقيصومها وشيحها ، فإنّها مواريث عقل ممدود الشّعاع على الأوّلين والآخرين ، والعقل به يصحّ الصحيح ويسقم السقيم ، وبمفارقته يهلك الهالك ويجور السائر « 2 » ، فإن كان قد امتزج بهذه المحاسن ما خالف منوال العقل ، ونسيج الحقّ ، فذاك لتتبيّن به حسن الحسن ، وقد قيل : والشيء يظهر حسنه الضّدّ « 3 » ؛ وهذا كلّه ، وإن كان منظوما في سلك واحد ، فإنّ العاقل يميّز الطّيّب من الخبيث ، والحقّ من الباطل ، والهزل من الجدّ ، ويتحلّى بالأحسن ، ويتخلّى من الأقبح ، ولو لم يكن جمهوره معروضا عليه ، ولا جمعه « 4 » مسوقا إليه ، لخيف أن يكلّ مع أحد الضّربين ، ويثقل « 5 » مع أحد الحزبين ، فقد لوطف هذا الإنسان وهو لا يدري ، وقد يرضى المرء وهو كاره ، ويصنع للإنسان وهو عائب ، وهل لرضى أنشأه التّجنّي مدى يبلغ ، أو غاية تدرك ، أو آخر يعلم ؟ دع - أيّدك اللّه - هذا كلّه ، فلو هديت لرشدي ما أطعت الهوى وخضت في هذه الخطبة التي لا عائدة لها ولا فائدة فيها ، وخذ فيما أخصّك به مرشدا ، وألقيه إليك ناصحا ، وأباثّك به متعللا : اعلم أنّا في دهر الإحسان فيه من الإنسان زلّة ، والجميل غريب ، والخير بدعة ، والشّفقة ملق ، والدّعاء حيلة ، والثّناء خداع ، والأدب مسألة ، والعلم شبكة ، والدّين تلبيس ، والإخلاص رياء ، والحكمة سفه ، والقول هذر ، والإطراق ترقّب ، والسكوت نفاق ، والبذل مكافأة ، والمنع حزم ، والإنفاق
--> ( 1 ) اقتانت : تزينت . ( 2 ) م : ويبور البائر . ( 3 ) فيه شبه بقول الشاعر : ضدّان لما استجمعا حسنا * والضدّ يظهر حسنه الضدّ ( 4 ) م : جميعه . ( 5 ) م : وينفك .