علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

8

البصائر والذخائر

الشّكوى من هوى مطاع ، وعمر مضاع ، فبيده الداء والدّواء ، والمرض والشّفاء ، وهو بكلّ شيء خبير . فكن « 1 » - حرسك اللّه - لنفسك نصيحا ، واستقبل توبة نصوحا ، وازهد في دار سمّها ناقع ، وطائرها واقع ، وارغب في دار طالبها منجح ، وصاحبها مفلح ؛ ومتى حقّقت الحق ، وأمرت بالصّدق ، بان لك أنهما لا يجتمعان ، وأنهما كالضّرّتين لا تصطلحان ، فجرّد همّك في تحصيل الباقية ، فإنّ الأخرى أنت فان عنها ، وهي فانية عنك ، وقد عرفت آثارها [ في أصحابها ] ورفقائها « 2 » ، وصنيعها بطلّابها وعشّاقها ، معرفة عيان ، فأيّ حجة تبقى لك ، وأيّ حجة لا تثبت عليك ؟ « 3 » أمّا أنا فقد أيقنت أنّ بساط عمري مطويّ ، وأني بعين اللّه مرعيّ ، وعن صغيري وكبيري مجزيّ ، فإنّ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( الزلزلة : 7 - 8 ) . جعل اللّه انتباهنا للوعظ طريقا إلى نيل المراد والحظّ ، فالمغبون من صدق لسانه وكذب فعله ، وآمن ظاهره ونافق باطنه ؛ نفعنا اللّه بمقول القلب ومسموعه ، واستعملنا بصالح العمل ومرفوعه ، إنه جواد ماجد . هذا كلّه شفقة منّي عليك ، واهتمام بمصلحتك ، فإن أعجبك وراقك ، وسرّك وآنقك ، وسفر نقاب الشّبه عنك ، ورفع حجاب الهمّ دونك ، وأراك الحقّ في منظره البهيّ وحليته المعشوقة ، والباطل في سمله الزّريّ ولبسته المشنوءة ، فالزم هدي كلّ هاد ، وتقبّل مذهب كلّ ناصح ، غير معرّج على الدّنيا ، ولا متتبّع لفانيها ، ولا متوقّع لآتيها ، ولا متمتّع بحاضرها ، فليس من شأنها أن تولي [ إن آتت ] « 4 » ، وإن آتت فليس « 5 » من أخلاقها أن تصفو ، وإن

--> ( 1 ) عاد ابن أبي الحديد إلى النقل ذاكرا أن النصّ من كلام بعض الفصحاء . ( 2 ) ما بين معقفين سقط من ح وزدته من شرح النهج ؛ ح : ورفقاءها . ( 3 ) هنا ينتهي النقل في شرح النهج . ( 4 ) زيادة تقديرية يبينها السياق . ( 5 ) ح : وليس .