علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

55

البصائر والذخائر

139 - إيّاك أن تعاف سماع هذه الأشياء المضروبة بالهزل ، الجارية على السّخف ، فإنّك لو أضربت عنها جملة لنقص فهمك ، وتبلّد طبعك « 1 » ، ولا يفتق العقل شيء كتصفّح أمور الدّنيا ، ومعرفة خيرها وشرّها ، وعلانيتها وسرّها ؛ وإنما نثرت هذه الفواتح على ما اتّفق ، وقد كان الرأي نظم كل شيء إلى شكله ، وردّه إلى بابه ، ولكن منع منه ما أنا مدفوع إليه من انفتات حالي « 2 » ، وانبتات منّتي « 3 » ، والتواء مقصدي ، وفقد ما به يمسك الرّمق ، ويصان الوجه ، لاعوجاج الدهر ، واضطراب الحبل ، وإدبار الدّنيا بأهلها ، وقرب الساعة إلينا ؛ فاجعل الاسترسال بها ذريعة إلى جمامك ، والانبساط فيها سلّما إلى جدّك ، فإنّك متى لم تذق نفسك فرح الهزل ، كربها غمّ الجدّ ، وقد طبعت في أصل التركيب على الترجيح بين الأمور المتفاوتة ، فلا تحمل في شيء من الأشياء عليها ، فتكون في ذلك مسيئا إليها ، ولأمر ما حمد الرّفق في الأمور والتأتّي لها « 4 » ، وما أحسن ما أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذا المعنى في قوله « 5 » : « إنّ هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » . 140 - وأنشد لجحظة : [ الوافر ] لقد أصبحت في بلد خسيس * أمصّ به ثماد الرّزق مصّا إذا رفعت مسنّاة لوعد * توهّم جوده ما ليس يحصى

--> ( 1 ) ر : طباعك . ( 2 ) ك : تشتت بالي ؛ ح : أساس حالي . ( 3 ) وانبتات منتي : سقطت من ر . ( 4 ) ك : بها . ( 5 ) الحديث في مسند أحمد بن حنبل 3 : 199 والمقاصد الحسنة : 391 ، قال : رواه البزار والحاكم في علومه والبيهقي في سننه . وقوله « فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » يجري مجرى المثل ؛ قال ابن سلّام : يقول إن هذا الذي كلّف نفسه فوق طاقتها من العبادة بقي حسيرا كالذي أفرط في إغذاذ السير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره ( فصل المقال : 13 ؛ وانظر أيضا الميداني 1 : 6 ) .