علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

203

البصائر والذخائر

626 - قال أعرابي : استشر عدوّك العاقل ولا تستشر صديقك الأحمق ، فإنّ العاقل يتّقي على رأيه الزّلل كما يتّقي الورع على دينه الحرج . 627 - وقال أبو الدّرداء : أحبّ ثلاثة لا يحبّهنّ غيري : أحبّ المرض تكفيرا لخطيئتي ، وأحبّ الفقر تواضعا لربّي ، وأحبّ الموت اشتياقا إليه « 1 » . فذكر ذلك لابن سيرين فقال : لكنّي لا أحبّ واحدة من الثلاثة ؛ أمّا الفقر فو اللّه للغنى أحبّ إليّ منه ، لأنّ الغنى به يوصل الرّحم ، ويحجّ البيت ، وتعتق الرّقاب ، وتبسط اليد إلى الصّدقة ؛ وأما المرض فو اللّه لأن أعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر ؛ وأما الموت فو اللّه ما يمنعنا من حبّه إلا ما قدّمناه وسلف من أعمالنا ، فنستغفر اللّه عزّ وجلّ . انظر باللّه إلى خروج ابن سيرين من كل « 2 » ما دخل فيه أبو الدّرداء ، حتى كأنّ الصدق في ما جلبه أبين ، والبرهان على ما قاله أقرب ، ولولا أنّ الطرق إلى اللّه مختلفة ، ما عرض هذا الرأي للأول ولا عارضه هذا الثاني . 628 - وكان أبو حامد القاضي يقول : الزّهد في الدنيا لا يصحّ ، لأن الإنسان خلق منها وعمرها « 3 » وسكن فيها ، فلا سبيل إلى انسلاخه منها على ما يرى . جفاة الصوفية وما « 4 » يقولون ، فإنهم يرون الجلالة له « 5 » حجابا وحجازا ، ويجعلونها مانعة من إصابة الزهد وسلوك محجّته وإقامة مناره ، وزعم أن الزهد إنما أريد به القيام بالأمر والنّهي على قدر « 6 » الطاقة ، وكنه القوة ، مع التقلّب بين الرجاء

--> ( 1 ) ر : إلى ربي . ( 2 ) ر : جميع . ( 3 ) ح : وتم بها ( وقريب من ذلك في ر ) . ( 4 ) وما : سقطت من ك ر . ( 5 ) له : سقطت من ك ر . ( 6 ) ح ر : حسب .