ابن الجوزي
95
بستان الواعظين ورياض السامعين
الأوبة . يا أخي يا أخي وما عسى أن أقول لك من كرم مولاك الجليل جل جلاله لو أن الذنوب التي عملت في أيام طغيانك وعصيانك كانت مثل جبال الدنيا برمالها وبحارها وأنهارها ، وتبت توبة واحدة بصدق وحرقة وندامة ، ليغفرها لك مولاك الكريم بكرمه وفضله ، ولا تسأل عنها يوم القيامة وأنشدوا : نهاك الطبيب محيلا على * مطاعم لو نلتها لم تمت وخاطبك اللّه جلّ اسمه * بترك الذنوب التي حرمت فأعرضت عن أمره لاهيا * وأمّنت نفسك ما خوفت فأطمعتها أن تنال الرّضا * بجهلك في فضل من قد عصت فماذا تقول إذا أزعجت * لتخرج بالكره فاستسلمت فلا ندم حطّ أوزارها * ولا توبة غسلت ما جنت وأفردت وحدك في ملحد * بكت فيه نفسك ما أسلفت [ « 164 » ] ما تحويه الآية يا أهل الذنوب تدبروا هذه الآية فإن فيها بلاغة لمن تذكر ، وزجرا لمن اعتبر ، وتخويفا لمن تدبر ، ونهيا لمن تفكر . فالفكرة عبادة وخير وزيادة لأن مولاكم الكريم قد خوّفكم وهددكم وزجركم بها زجرا شديدا فقال : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] ثم قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 30 ] أي يحذركم عقابه وعذابه إذا عصيتموه ، ويجزل لكم ثوابه إذا أطعتموه ، فلا يحقرن أحدكم من الذنوب شيئا وإن صغر فربما كان فيه شدة العذاب والعقاب ، ولا يحقرن أحدكم حسنة يعملها وإن قلّت فربما كان فيه الرضا من الملك الوهاب . واعلموا أن الذنب الذي يحقره صاحبه يكون يوم القيامة في ميزان فاعله أثقل من جبال الأرض ، فازجر نفسك عن غيها وقدم في حياتك . ليوم فقرك . والأصل في الذنب الصغير أن يكون سببا لدخول صاحبه في النار . إن العبد المغرور يعمل الذنب ويحقره ولا يفكر في من قد عصاه وهو الجبار جل جلاله ، فعند ذلك
--> ( 164 ) حديث « إياكم ومحقرات الذنوب » أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 6 / 70 ) من حديث عائشة أم المؤمنين .