ابن الجوزي

91

بستان الواعظين ورياض السامعين

الرسالة ؟ فينظر نوح عليه السلام في الموقف يمينا وشمالا ومشرقا ومغربا يتضح ويتبصر من بين سائر الأنبياء والمرسلين ، وبين كراسي الشهداء والصديقين ، فلا يرى في المنابر أعلا ولا أنور ولا أحسن ولا أزهى من منبر محمد صلى اللّه عليه وسلم . [ 157 ] جاه الرسول الأعظم ولا يرى في الأنبياء أحسن وجها من وجه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يرى نوح في الكراسي أنور ولا أحسن من كراسي أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يرى أبهى ولا أنور ولا أحسن من كرسي أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه . ولا يرى في الوجوه أحسن وجها من وجوه أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يرى في الصديقين والشهداء أحسن ولا أبهى ولا أنور من وجه أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه . [ 158 ] فضل أبي بكر الصديق فيقول له نوح : قد أصبت من يشهد لي يا مولاي وسيدي ، فيقول اللّه تبارك وتعالى : وهو أعلم - من يشهد لك يا نوح ؟ فيقول نوح عليه السلام : يشهد لي محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته بأني قد بلغت قومي الرسالة ، فينادي مناد : أين النبي الأمي العربي التهامي ؟ أين أحمد ؟ أين سيد العالمين ، أين خاتم النبيين والمرسلين ، أين إمام المتقين ؟ فعند ذلك يقوم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعند ذلك يرفع أهل الجمع رؤوسهم إذا رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيمضي صلوات اللّه عليه حتى ينتهي إلى ربه عز وجل ، فيقول له ربه : يا أحمد - ونوح قائم ينظر - ما تقول هل بلغ نوح الرسالة إلى قومه ؟ فيقول محمد صلى اللّه عليه وسلم : نعم يا سيدي ومولاي قد بلغ وأقام يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلّا خمسين عاما . فيقول الجبار جل جلاله : صدقت يا أحمد . فعند ذلك يفرح نوح عليه السلام ويتهلل وجهه . ثم يقول اللّه تعالى : يا محمد هلم أمتك إلى الحساب والشهادة ، فبينما الخلائق في الموقف إذ يموج بعضهم في بعض ويفزعون فزعة عظيمة ، فتجتمع كل أمة حول نبيها وتنظر أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يمينا وشمالا فلا يرون النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والأمم قد أحدقت بأنبيائها وينظر الأنبياء والأمم إلى منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاليا . [ 159 ] منبر الرسول والمحشر فيقول بعضهم لبعض : لمن هذا المنبر الذي لا يرى في الموقف مثله لحسنه