ابن الجوزي
80
بستان الواعظين ورياض السامعين
المواضع المرتفعة واحدها عرف ، وتسمى النشز من الأرض وهو الموضع المرتفع عرفا ومنها عرف الديك . [ 137 ] أهل الأعراف فإذا صار على تلك المواضع من الصراط نقص نورهم وبقوا على أطراف أنامل أرجلهم ورأوا أن ذلك ظلمة ، وذلك أن الخلق على الصراط على قدر أعمالهم في الدنيا ، فمن الناس من يكون له من النور ما يضيء على الصراط مسيرة مائة عام ، ومنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة سنة ، وما يضيء مسيرة شهر ، ومسيرة جمعة ، ومسيرة يوم ، ومسيرة ساعة ، ومن الناس من يعطى من النور ما يضيء له موضع قدميه . على قدر منازلهم عند اللّه تبارك وتعالى وعلى قدر أعمالهم في الدنيا ، فيستبقون في الجواز على قدر أنوارهم التي معهم فمن كان له نور كثير جاز في السعة ، ومن كان له نور قليل جاز في الضيق ، على قدر ما أعطى اللّه لكل عبد ، فإذا ثبت أصحاب الأعراف على أنامل أرجلهم في ذلك ولا ينظرون إلى موضع أقدامهم من شدة الظلمة ، والظلمة هي شدة سواد جهنم أعاذنا اللّه وإياكم منها وسهّل لجميعنا شدائدها وظلمتها ، وثبّت على الصراط أقدامنا بمنّه وفضله . والصراط أحدّ من السيف وأرق من الشعرة وأحر من الجمر ، عليه من الحسك والكلاليب أكثر من عدد الإنس والجن قد تعلق بكل كلوب من الزبانية عدد نجوم السماء إذا تكلم واحد منهم تناثر النار من فيه ، لو أن واحدا منهم بصق في البحار الزاخرة لجففها ، وإذا تكلم واحد منهم فزع صاحبه منه ، ولو سمع أهل الدنيا صوت واحد يتكلم بالكلام لمات كل من فيها من إنسها وجنها وجميع ما خلق اللّه تبارك وتعالى فيها من برها وبحرها من فظاعة كلامه ، ومن شدة صوته . وإذا صاح مالك خازن جهنم على خزنة جهنم يغشى عليهم من شدة صوته . والصراط مع دقته ورقته يضطرب كما تضطرب السفينة بأهلها إذا كانت الريح عاصفة ، فإذا ثبت القوم على أناملهم من أرجلهم ولا يستطيعون الجواز وهم ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون في النار ، قال اللّه تعالى : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الأعراف : 47 ] وهم يستغيثون ويتضرعون إلى مولاهم جل جلاله ويسألونه النجاة من النار ومن هول ما هم فيه من صعوبة الصراط فيمكثون كذلك ما شاء اللّه تبارك