ابن الجوزي

79

بستان الواعظين ورياض السامعين

بألسنتكم ما ليس في قلوبكم ، وتكذيبكم بلقاء اللّه تبارك وتعالى ، وكذبتم بهذا اليوم وتربصتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائر ، وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر اللّه ، وغركم باللّه الغرور فيما فعلتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين ، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا - يعني لا يؤخذ من كافر ولا منافق فداء . [ 135 ] صفة المنافق فالكافر هو الذي كفر في السر والإعلان ، والمنافق الذي كفر في السر وآمن في الإعلان وآمن بلسانه وكفر بقلبه ، وقوله مأواكم النار ، أي مرجعكم إليها ومستقركم فيها ، هذا كله غرور الشيطان بكم حتى جاءكم الموت ومتم على النفاق ، فإذا رجعوا وراءهم ليلتمسوا النور رأوا سردابا فيدخلون ذلك السرداب ويظنون أن النور فيه فيهجم بهم على أبواب جهنم فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتقذفهم في جهنم حتى يجاوزون الباب الأول من جهنم ، ثم يلقون في الباب الثاني حتى يجاوزونه ، فلا يزالون من باب إلى باب حتى يجاوزون الباب الأول من جهنم ، ثم يلقون في الباب الثاني حتى يجاوزونه ، فلا يزالون من باب إلى باب حتى ينتهوا إلى الدرك الأسفل من النار فينتهي بهم إلى جب يقال له جب الحزن في ذلك الجب بئر يقال لها الهبهب فيها توابيت من نار وعليها أقفال من نار . [ 136 ] بئر الهبهب على تلك البئر صخرة من كبريت في تلك البئر باب إذا رفعت تلك الصخرة استغاثت نيران جهنم من تلك النار التي تخرج منها ، فتأكل تلك النار التي تخرج من تلك البئر نيران جهنم وما فيها أسرع من طرفة العين ، فيؤتى بالمنافقين فيلقون في تلك البئر وتوضع عليهم تلك الصخرة فلا يخرجون منها أبدا ، كلما أكلت تلك النار لحومهم جدد اللّه لهم لحوما غيرها ، فلا يخرجون من تلك البئر أبدا ، فذلك قوله عز وجل : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [ النساء : 145 ] وقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] يعني بقوله ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . وأما المؤمنون الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم فإنهم يمشون على الصراط وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانهم حتى إذا كانوا على جسر الصراط ، وهو أعلا الجسور من الصراط وهي الأعراف ، وهي