ابن الجوزي
78
بستان الواعظين ورياض السامعين
منصوب على متن جهنم ، وتأتي الخلائق إلى الصراط المؤمنون والكافرون ، فأما المؤمنون فيمضون وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانهم أي عن أيمانهم . [ 133 ] ظلمات الكفر والمعصية وأما الكافرون فإنهم يمضون في ظلمات الكفر وظلمات أعمالهم التي عملوا في حال الكفر في دار الدنيا فإذا أتوا إلى الصراط فأول قدم يضعونها على الصراط يهوون في النار فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتلقيهم في قعر جهنم ، فإذا مضى المؤمنون بنورهم مضى المنافقون في آثارهم يتبعونهم وينادونهم : انظرونا نقتبس من نوركم فنمشي في ضوئكم ، فيقال : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . وهو قوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] وذلك أنهم كانوا في الدنيا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وأظهروا لهم الإيمان بألسنتهم واعتقدوا الكفر بقلوبهم ، واللّه تعالى يعامل العباد على عقائد قلوبهم ، والمنافقون كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ، فإذا كانوا على الصراط على آثار المؤمنين ليمشوا في نورهم قالوا للمؤمنين : انظرونا نقتبس من نوركم قيل : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ، فيظنون أن وراءهم نورا يلتمسونه فيرجعون وراءهم فيرفع لهم سرداب فيظنون أن في السرداب نورا يجوزهم على الصراط فيقتحم بهم إلى أبواب جهنم ، فإذا رأى المؤمنون المنافقين قد تساقطوا وتهافتوا في النار فزعوا مما حل بالمنافقين ، فعند ذلك يقال لهم : بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وهذا العذاب الذي فزعتم منه هو للمنافقين الذين عصوا اللّه ورسوله وجحدوا بآيات اللّه وخالفوا كتابه ، فعند ذلك يضرب بينهم بسور له باب . [ 134 ] السور الحاجز بين الجنة والنار والسور هو الحائط له باب إلى الجنة وهو حائط بين الجنة والنار ، باطن ذلك الحائط في الرحمة وظاهره من قبله العذاب - يعني جهنم - والباطن فيه الرحمة - يعني الجنة - فإذا رأى المنافقون المؤمنين لم يعرجوا عليهم ولم يلتفتوا إليهم ، ورأوهم في حال السلامة والفوز . فيقول لهم المنافقون : ألم نكن معكم في الدنيا على التوحيد وكنا نصلي معكم ؟ فيقول لهم المؤمنون : بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم - أي عذبتم - وأحرقتم أنفسكم بالنار بخلافكم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقولكم