ابن الجوزي

73

بستان الواعظين ورياض السامعين

« تعلّموا العلم فإن تعلمه للّه خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، به يعرف اللّه ويعبد ، وبه يحمد اللّه ويوحّد » هو إمام العمل والعمل تابعه ، يرفع اللّه بالعلم أقواما فيجعلهم للخير قادة وأئمة يقتدى بهم وينتهى إلى رأيهم . فقد بيّن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن العبادة لا تكون إلّا بالعلم لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « به يعرف اللّه ويعبد » ويستوفي ذكر فضل العلم في قول اللّه تبارك وتعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ والمقصود في هذا الموضع ذكر الصراط والجواز عليه . [ 127 ] فضل حملة القرآن ذكر في بعض الأخبار أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامة على كثبان من مسك أسود وأنوار وجوههم تغشى بالأبصار فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكّلوا بحملة القرآن فتأخذ بأيديهم وتضع التيجان على رؤوسهم والحلل على أجسامهم وتقرب إليهم خيلا من نور الجنة عليه سرج من المسك الأذفر والعنبر الأشهب ألجمها من اللؤلؤ والياقوت يركبونها فتطير بهم على الصراط ويجوز في شفاعة كلّ واحد مائة ألف ممن قد استوجب النار ، ومناد ينادي : هؤلاء أحباب اللّه ، هؤلاء أولياء اللّه الذين قرءوا كتاب اللّه وعملوا به فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وهم أهل اللّه وهم أحباب اللّه من أحبهم في الدنيا أحبه اللّه ، فجاوزوا الصراط وخلفوه بلا هول ولا هم ولا حزن ولا غم . وهذا إذا عملوا بالقرآن ، ووقفوا عند أوامره ونواهيه وأحلوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا بمحكمه ووقفوا عند متشابهه ، وسارعوا إليه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المجادلة : 22 ] أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] أولئك أولياء اللّه الصالحون ، أولئك الذين رضي اللّه عنهم ووفّقهم وهداهم وآتاهم تقواهم . [ 128 ] من لم يعمل بالقرآن وأما حامل القرآن إذا لم يعمل به فإنه يأتي إلى الصراط فتستقبله الزبانية بمقامع الحديد وأرازب النار وتسوّد وجوههم على قدر ما ضيّعوا من العلم ، فمن تعلم علما للتجبر والمباهاة أو الرياء أو السمعة ولم يرد به وجه اللّه تعالى وطلب