ابن الجوزي

40

بستان الواعظين ورياض السامعين

المنتشر إذا خرجت عليه الشمس لا يأخذ بجهة واحدة . كذلك الخلق يموج بعضهم في بعض لكل أمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه . قد اجتمعت القيامة بأهوالها ووضعت الحوامل أحمالها ، وزلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها ، وشهد على الأمم بأعمالها . وشاب الوليد ، وحضر الوعد وحق الوعيد ، وعظم الهول الشديد ، وذلّ كلّ متكبر وجبار عنيد . قد خضعت الرقاب لرب الأرباب ، وخاب كلّ كفّار كذّاب ، واشتد الهول وعظم العذاب ، فتفكروا فيما تسمعون يا معشر الأحباب ، وانظروا لأنفسكم يا جماعة الأخوان والأصحاب ، واستعدوا لأهوال القيامة يا أولى العقول والألباب . وأنشدوا : مثّل لقلبك أيها المغرور * يوم القيامة والسماء تمور قد كوّرت شمس النهار وأضعفت * حرا على روس العباد تقور وإذا الجبال تعلقت بأصولها * فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت * وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها * خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت * وتقول للأملاك أين نسير فيقال سيروا تشهدون فضائحا * وعجائبا قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلّق * خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله * كيف المقيم على الذنوب دهور ؟ ؟ [ 60 ] جهنم في المحشر فإذا اشتد الفرق ، وسال العرق ، أمر الجبار جل جلاله أن يؤتى بجهنم أعاذنا اللّه وإياكم منها وزحزحنا وإياكم عنها برحمته ، فيؤتى بها وأهوالها وأنكالها وسلاسلها وأغلالها ، وقد اشتد جحيمها وغلا حميمها وكثر زقومها وغضب زبانيتها وعظم سم حيّاتها وعقاربها واسودت جبالها وهاجت بحارها ونتن غسلينها وغلى سمومها وقد اجتمعت مما خلق اللّه فيما من عظيم بلائها ، فأبرزت للخلائق وهم ينظرون إليها من مسيرة خمسمائة عام . [ 61 ] وصف جهنم قال اللّه تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [ النازعات : 36 ] فيراها