ابن الجوزي

31

بستان الواعظين ورياض السامعين

وسباعها وأنعامها ويبقى الملك للّه الواحد القهّار الذي خلق الليل والنهار فلا ترى أنيسا ، ولا تحس حسيسا ، قد سكنت الحركات ، وخمدت الأصوات ، وخلت من سكانها الأرضون والسماوات . [ 39 ] لمن الملك اليوم ؟ ثم يطلع اللّه تبارك وتعالى إلى الدنيا فيقول : يا دنيا أين أنهارك ؟ وأين أشجارك ، وأين سكانك ، وأيت عمّارك ، أين الملوك وأبناء الملوك ، وأين الجبابرة وأبناء الجبابرة ، أين الذين أكلوا رزقي ؛ وتقلبوا في نعمتي وعبدوا غيري لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد ، فيقول تعالى : الملك للّه الواحد القهّار ، فينظر الجبار جل جلاله إلى عباده موتى من بين صريع على خده ومن بين بال في قبره ثم يقول : يا دنيا أين أنهارك وأين أشجارك وأين سكانك وأين عمارك وأين الملوك وأين الجبابرة لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد ، فيقول تعالى : للّه الواحد القهّار فتبقى الأرضون والسماوات ليس فيهن من ينطق ولا من يتنفس ما شاء اللّه من ذلك ، وقد قيل تبقى أربعين يوما وهو مقدار ما بين النفختين ، ثم بعد ذلك ينزل اللّه تبارك وتعالى من السماء السابعة من بحر يقال له بحر الحيوان ماؤه يشبه مني الرجال ينزله ربنا أربعين عاما فيشق ذلك الماء الأرض شقا فيدخل تحت الأرض إلى العظام البالية فتنبت بذلك الماء كما ينبت الزرع بالمطر . [ 40 ] كيفية بعث الموتى قال اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : 57 ] إلى قوله : كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى [ الأعراف : 57 ] الآية كما أخرج النبات بالمطر كذلك يخرج الموتى بماء الحياة ، فتجتمع العظام والعروق واللحوم والأشعار فيرجع كل عضو إلى مكانه الذي كان فيه في دار الدنيا فتلتئم الأجساد بقدرة الجبار جلّ جلاله وتبقى بلا أرواح ، ثم يقول الجبار جل جلاله : ليبعثن إسرافيل ، فيقوم إسرافيل عليه السلام حيا بقدرة اللّه تعالى فيقول له الجبار : يا إسرافيل التقم الصور وازجر عبادي لفصل القضاء ، فأول ما يحيي اللّه تبارك وتعالى إسرافيل ويأمره أن يلتقم الصور .